التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢ - المقدمة
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ».[١]
وأيضا، تجاوبه الوثيق مع فطرة الإنسان الأصيلة انسجاما متشابكا مع جبليّته الاولى التي فُطر عليها. و هذا التجاوب يبدو- بكلّ وضوح- على محيّى كافّة تشريعاته و تنظيماته و جميع أحكامه الشاملة. الأمر الّذي يجعل من هذا القانون السماوي الجامع نظاما منبثقا من صميم الإنسانية، جاء ليؤمّن عليه جميع حاجاته النزيهة في مختلف شؤون الحياة.
«فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ».[٢]
كما و أنّه أتحف للبشرية جمعاء بمعارف و تعاليم جليلة، كان المستوى البشري ولايزال يقصر عن البلوغ إليها لولاسماح القرآن بمثلها بكلّ سخاء و جعلها في متناولها القريب في أبلغ بيانٍ و أبدع اسلوبٍ حكيم.
«وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ»[٣] «عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ»[٤] «ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا».[٥]
وأخيرا، هيمنته الخارقة على نفوس بشريةٍ كبيرة، كانت تأبى الرضوخ لغير الحقّ الصريح، فأشرف بها على واقعيةٍ مشهودة كانت دلائل الصدق لائحةً على محيّاها بوضوح، و من ثمّ استسلمت لقيادته الحكيمة مذ تعرّفت إلى حقيقته الصارخة.
«لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ».[٦]
تلك خصائص و ميزات بارزة امتاز بها هذا الكتاب الإلهي العظيم، الّذي لم يكد يمض من انبثاق نوره اللئلاء أكثر من نصف قرن حتى مَلَك رقاب اممٍ كبيرة، و سيطر على رقعةٍ واسعةٍ من الأرض كانت مهد الحضارة الإنسانية منذ زمنٍ سحيق. فدوّخ صداه
[١] - الأنفال ٢٤: ٨.
[٢] - الروم ٣٠: ٣٠.
[٣] - النساء ١١٣: ٤.
[٤] - العلق ٥: ٩٦.
[٥] - هود ٤٩: ١١.
[٦] - النساء ١٦٢: ٤.