التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٥ - أدلة حديثة على وجود الروح
إنَّ القلية العصبية المركّبة من كميّات، متناسبة من الكوليسترين والماء والفسفور وحامض الأُوميك ... الخ ليست بذاتها قوّة مدركة. والحركة الاهتزازية هي بذاتها حركة ماديّة محضة، فكيف يولد اهتزاز هذه القلية العصبيّة وانتصابها إدراكا؟
هذا ماعجز الماديون عن تبيانه، أمّا الفلاسفة الروحيّون فيعلموننا بوجود شخصيّة عاقلة فينا، تدعى «النفس» تنتبه بهذا الاهتزاز، إلى ما طرأ من الحوادث الخارجيّة وعندما يتمّ انتباهها هذا يحدثُ الإدراك!
ويؤيّد ذلك بأجلى بيان، حادث «الذهول».
مثلًا عندما نكون مستغرقين داخل حجرتنا في عمل من الأعمال، فربّما نغفل عن سماع تكتكة الساعة، بل حتى عن طرق ناقوسها أيضا، ومع هذا فإنّ اهتزازات الصوت أثّرت في عصب سمعنا وبلغت حتى الدماغ من دون أن ننتبه لها. وما ذاك إِلّا لكون نفسنا مشتغلة بأفكار اخرى لم تنتبه، ولاأثّرت فيها اهتزازات القلالي الدماغية فلم يحصل الإدراك السمعي.
وبالاختصار نجد أنّ المادّة هي بذاتها عديمة الاختيار، لاتولّد شيئا من تلقاء نفسها، والمادّة الدماغيّة هي آلة لتبيان إحساسات النفس العاقلة، وأفكارها، فلاتعقل هي لما يصدر بواسطتها من التعبيرات الفكريّة، كآلة الساعة مثلًا لاتدرك حركة الأوقات التي تشير إليها، كما لاتدرك قراطيس الكتاب الأفكار المسطّرة عليها. «ومن زعم أنّ الدماغ يدرك الفكر، فهو كمن يزعم أنّ الساعة تدرك حركة الوقت. أو القرطاس يدرك معاني الكتابة!».
ثانيا: قرّر علماء الفزيولوجيا- إجمالًا- أنّ كلّ حركة تصدر من الإنسان أو الحيوان، يصحبها احتراق جزء من المادّة العضليّة. وكلّ فعل من الإرادة أو الحسّ يتأتّى عنه فناء في الأعصاب. وكلّ عمل فكريّ ينتج عنه إتلاف في الدماغ.
وبكلمة جامعة: إنّه لايمكن لذرّة واحدة من المادّة أن تصلح مرّتين للحياة، فعندما يبدو من الحيوان أو الإنسان عمل عضليّ أو عقليّ، فالجزء من المادّة الحيّة التي صرفت