التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - شبهات حول المكي والمدني
وقال القاضي أبوبكر: كانت العادة تقضي بحفظ الصحابة ذلك، غير أنّه لم يكن من النبيّ صلى الله عليه و آله في ذلك قول، ولا ورد عنه صلى الله عليه و آله أنّه قال: ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا. وإنّما لم يفعله لأنّه لم يؤمر به، ولم يجعل اللّه علم ذلك من فرائض الامّة، وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم، لمّا لم يعتبروا ذلك من فرائض الدين، لم تتوفّر الدواعي على إخبارهم به، ومواصلة ذلك على أسماعهم. وإذا كان الأمر على ذلك ساغ أن يختلف من جاء بعدهم في بعض القرآن: هل هو مكّي أو مدنيّ؟ وأن يعملوا في القول بذلك ضربا من الرأي والاجتهاد ...[١]
شبهات حول المكّي والمدنيّ
أثيرت لعهد قريب شبهات حول موضوع المكّي والمدنيّ وكانت على أساس مزعومة تأثّر القرآن بالبيئة وأنّه قد خضع لظروف بشريّة مختلفة تركت آثارها على اسلوب القرآن وطريقة عرضه، وعلى مادّته والموضوعات التي عنى بها.
لكن لابدّ لنا أن نفرّق بين فكرة تأثّر القرآن وانفعاله بالظروف الموضوعيّة من البيئة وغيرها بمعنى انطباعه بها، وبين فكرة مراعاة القرآن لهذه الظروف بقصد تأثيره فيها وتطويرها لصالح الدعوة.
فإنّ الفكرة الأُولى تعني في الحقيقة: بشريّة القرآن، حيث تفرض القرآن في مستوى الواقع المعاش وجزءا من البيئة الاجتماعيّة يتأثّر بها كما يؤثّر فيها. وهذا على خلاف الفكرة الثانية فإنّها لاتعني شيئا من ذلك، لأنّ طبيعة الموقف القرآني الذي يستهدف التغيير، وطبيعة الأهداف والغايات التي يرمي القرآن إلى تحقيقها قد تفرض هذه المراعاة، حيث تُحدّد الغاية والهدفُ، شاكلةَ الأُسلوب الذي يجب سلوكه للوصول إليه.
فهناك فرق بين أن تفرض الظروف والواقع أنفسهما على الرسالة، وبين أن تفرض
[١] - راجع: البرهان للزرشكي، ج ١، ص ١٩٠- ١٩٢.