التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - أول ما نزل
الكتاب، ثمّ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثمّ: نوالقلم ...».[١]
وروى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن أبي ميسرة عمروبن شرحبيل، قال:
كان رسولاللّه صلى الله عليه و آله إذا خلى وحده سمع نداء فيفزع له، وللمرّة الأخيرة ناداه الملك:
يامحمد! قال: لبّيك، قال: قل: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (حتى بلغ:) وَ لَا الضَّالِّينَ».[٢]
قلت: لاشكّ أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كان يصلّي منذ بعثته، وكان يصلّي معه علي وجعفر وزيدبن حارثة وخديجة.[٣] ولاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب[٤] فقد ورد في الأثر: أوّل ما بدأ به جبرائيل: أن علّمه الوضوء والصّلاة[٥] فلابدّ أنّ سورة الفاتحة كانت مقرونة بالبعثة.
قال جلال الدين السيوطي: لم يحفظ أنّه كان في الإسلام صلاة بغير فاتحة الكتاب.[٦]
وبعد .. فلانرى تنافيا جوهريا بين الأقوال الثلاثة، نظرا لأنّ الآيات الثلاث أو الخمس من أوّل سورة العلق إنّما نزلت تبشيرا بنبوّته صلى الله عليه و آله وهذا إجماع أهل الملّة، ثمّ بعد فترة جاءته آيات- أيضا- من أوّل سورة المدثّر، كما جاء في حديث جابر ثانيا. أما سورة الفاتحة فهي اولى سورة نزلت بصورة كاملة، وبسمة كونها سورة من القرآن كتابا سماويا للمسلمين، فهي أوّل قرآن نزل عليه صلى الله عليه و آله بهذا العنوان الخاص، وأمّا آيات غيرها سبقتها نزولًا، فهي إنّما نزلت لغايات اخرى، وإن سجّلت بعدئذ قرآنا ضمن آياته وسوره.
ومن هنا صحّ التعبير عن سورة الحمد بسورة الفاتحة، أي أوّل سورة كاملة نزلت بهذه السمة الخاصّة. وهذا الاهتمام البالغ بشأنها في بدء الرسالة، واختصاص فرضها في الصلوات جميعا، جعلها- في الفضيلة- عدلًا للقرآن العظيم: «وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ».[٧] فقد امتنَّ اللّه على رسوله بهذا النزول الخاصّ تجاه سائر القرآن.
[١] - مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤٠٥.
[٢] - أسباب النزول، ص ١٠.
[٣] - تفسير علي بنإبراهيم القمّي، ج ١، ص ٣٧٨.
[٤] - المستدرك على الصحيحين، ج ١، ص ٢٣٨- ٢٣٩؛ وصحيح مسلم، ج ٢، ص ٩.
[٥] - سيرة ابنهشام، ج ١، ص ٢٦٠- ٢٦١؛ وبحار الأنوار، ج ١٨، ص ١٨٤، ح ١٤ وص ١٩٤، ح ٣٠.
[٦] - الإتقان، ج ١، ص ٣٠.
[٧] - الحجر ٨٧: ١٥.