التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٥ - آراء و تأويلات
وستين سنة. قال ابن كثير: وهو إسناد صحيح إلى الشعبي.[١]
وهذه الرواية وإن كانت فيها أشياء لانعرفها، ولعلّها من اجتهاد الشعبي الخاصّ، لكن الذي نريده من هذه الرواية هو جانب تحديد نزول القرآن في مدّة عشرين عاما، وأنّ نزوله تأخّر عن البعثة بثلاث سنين، وهذا شيء متّفق عليه.
آراء و تأويلات
وأمّا تأويل نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان، مع العلم أنّ القرآن نزل منجّما طول عشرين أو ثلاث وعشرين عاما، في فترات ومناسبات خاصّة، تدعى بأسباب النزول، فللعلماء في ذلك آراء وتأويلات:
١- إنّ بدء نزوله كان في ليلة القدر من شهر رمضان.
وهذا اختيار محمد بنإسحاق[٢] والشعبي.[٣] قال الإمام الرازي: وذلك لأنّ مبادئ الملل والدول هي التي تؤرّخ بها. لكونها أشرف الأوقات. ولأنّها أيضا أوقات مضبوطة معلومة.[٤] وهكذا فسّر الزمخشري الآية بذلك، قال: «ابتدئ فيه إنزاله».[٥]
وهو الذي نرتأيه، نظرا لأنّ كلّ حادث خطير، إذا كانت له مدّة وامتداد زمنّي، فإنّ
بدء شروعه هو الذي يسجّل تاريخيّا كما إذا سُئل عن تاريخ دولة أو مؤسّسة أو تشكيل حزبيّ، أو إذا سئل عن تاريخ دراسة طالب علم أو تلبُّسه الخاصّ وأمثال ذلك، فإنّ الجواب هو تعيين مبدأ الشروع أو التأسيس لاغير.
وأيضا: فإنّ قوله تعالى: «أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»[٦] والآيات الأُخر، حكاية عن أمر سابق لايشمل نفس هذا الكلام الحاكي وإلّا لكان اللفظ بصيغة المضارع أو الوصف. فنفس هذا الكلام دليل على أنّ من القرآن مانزل متأخّرا عن ليلة القدر، اللّهمّ إِلّا بضرب من التأويل
[١] - البداية والنهاية، ج ٣، ص ٤؛ والإتقان، ج ١، ص ١٢٩؛ والطبقات، ج ١، ص ١٢٧؛ وتاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٨.
[٢] - مجمع البيان، ج ٢، ص ٢٧٦.
[٣] - الإتقان، ج ١، ص ١١٨.
[٤] - التفسير الكبير، ج ٥، ص ٨٥.
[٥] - الكشاف، ج ١، ص ٢٢٧.
[٦] - بقرة ١٨٥: ٢.