التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٦ - ٢ - منافاته لمقام العصمة
د- وقال تعالى: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»[١] وقال: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا».[٢] فكيف نجوّز- بعد هذا الضمان الصريح المؤكّد- أن يتسلّط إبليس على أخلص عباد اللّه المكرمين، فيلبس عليه ناموس الكبرياء، وفي أمسّ شؤون رسالته المضمونة؟!
على أنّ القرآن يصرّح: أن لاسلطة لإبليس على أحد إطلاقا، سوى وسوسته الخدّاعة ودعوته إلى شرور، أمّا التدخل عمليّا في شؤون الخلق أو الخالق، فهذا لاسبيل لإبليس إليه إطلاقا، وقد حكى اللّه سبحانه عن لسان إبليس: «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي».[٣]
٢- منافاته لمقام العصمة
قال القاضي عياض: «وقد قامت الحجّة وأجمعت الأُمّة على عصمته صلى الله عليه و آله ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، أمّا تمنّيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهة غير اللّه، وهو كفر. أو أن يتسوّر عليه الشيطان ويشبّه عليه القرآن، حتى يجعل فيه ماليس منه، ويعتقد النبيّ صلى الله عليه و آله أنّ من القرآن ماليس منه، حتى ينبّهه جبرائيل عليه السلام وذلك كلّه ممتنع في حقّه صلى الله عليه و آله.
أو يقول النبيّ صلى الله عليه و آله ذلك من قبل نفسه عمدا، وذلك كفر. أو سهوا، وهو معصوم من هذا كلّه.
وقد قرّرنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه و آله من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لاعمدا ولاسهوا.
أو أن يتشبّه عليه ما يلقيه الملك ممّا يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو يتقوّل على اللّه مالم ينزل عليه، وقد قال تعالى: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ...
الآية».[٤] وقال تعالى: «إذن لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ... الآية».[٥]
[١] - النحل ٩٩: ١٦.
[٢] - الإسراء ٦٥: ١٧.
[٣] - إبراهيم ٢٢: ١٤.
[٤] - الحاقة ٤٤: ٦٩.
[٥] - الإسراء ٧٥: ١٧. راجع: الشفا، ج ٢، ص ١١٨- ١١٩.