التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - أسطورة الغرانيق
وَ الْعُزَّى. وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى»[١] ألقى عليه الشيطان: «تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى»[٢] فحسبها وحيا، فقرأها على ملأ من قريش، ثمّ مضى وقرأ بقيّة السورة. حتى إذا أكملها سجد وسجد المسلمون، وسجد المشركون أيضا، تقديرا بما وافقهم محمد صلى الله عليه و آله في تعظيم آلهتهم ورجاء شفاعتهم. وطار هذا النبأ حتى بلغ مهاجري الحبشة، فجعلوا يرجعون إلى بلدهم مكة، فرحين بهذا التوافق المفاجئ. كما فرح النبيّ صلى الله عليه و آله أيضا بتحقيق أُمنيته القديمة على ائتلاف قومه.
ويقال: إنَّ شيطانا أبيض هوالذي تمثّل للنبيّ في صورة جبرائيل وألقى عليه تينك الكلمتين.
ويقال: كان النبيّ صلى الله عليه و آله يصلّي عند المقام إذ نعس نعسة فجرت على لسانه هاتان الكلمتان من غير شعور بهما.
ويقال: النبيّ صلى الله عليه و آله هوالذي تكلّم بهما من تلقاء نفسه حرصا على ائتلاف قلوب المشركين. ثمّ ندم من فعله هذا الذي كان افتراء على اللّه!
ويقال: أنَّ الشيطان أجبره على النطق بهذا الكلام ... الخ.
ثمّ لمّا أمسى الليل أتاه جبرائيل، فقال له: أعرض عليّ السورة. فجعل النبيّ صلى الله عليه و آله يقرأها عليه حتى إذا بلغ الكلمتين قال جبرائيل: مه، من أين جئت بهاتين الكلمتين؟
فتندّم رسولاللّه صلى الله عليه و آله وقال: لقد افتريت على اللّه، وقلت على اللّه مالم يقل؟! فحزن حزنا شديدا، وخاف من اللّه خوفا كبيرا.
ويقال: إنَّ النبيّ صلى الله عليه و آله قال لجبرائيل: انَّه أتاني آتٍ على صورتك فألقاها على لساني.
فقال جبرائيل: معاذاللّه أن أكون أقرأتك هذا ... فاشتدّ ذلك على رسولاللّه. فنزلت: «وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
[١] - النجم ١٩: ٥٣- ٢٠.
[٢] - الغرانيق: جمع الغرنوق. وهو الشاب الناعم الأبيض. وفي الأصل: اسم لطير الماء مالك الحزين وهو تشبيه آلهة المشركين بطيور بيض متحلّقة في أجواء السماء، كناية عن قربهم من اللّه.