كفاية الأصول في أسلوبها الثاني - الإيرواني، الشيخ محمد باقر - الصفحة ٤٥٠ - كفاية الأصول في أسلوبها الثاني
و لو أبيت إلّا عن وضعه لمطلق الطلب فلا أقل من انصرافه إلى الانشائي، كما هو الحال في لفظ الطلب، فإنه منصرف إلى الانشائي لكثرة الاستعمال فيه. و هذا بخلاف لفظ الإرادة، فإنه منصرف إلى الحقيقية.
و اختلافهما في ذلك ألجأ بعض أصحابنا إلى الميل إلى ما ذهب إليه الأشاعرة من المغايرة بين الطلب و الإرادة خلافا لقاطبة أهل الحقّ و المعتزلة.
و لا بأس بصرف عنان الكلام إلى بيان ما هو الحقّ في المقام و إن حققناه في بعض فوائدنا.
إن الحقّ اتحاد الطلب و الإرادة، بمعنى أن لفظهما موضوع لمفهوم واحد، و الطلب الحقيقي عين الإرادة الحقيقية، و الطلب الانشائي عين الإرادة الانشائية.
هذا هو الاتحاد المدّعى، لا أن الطلب الانشائي عين الإرادة الحقيقية، فإن المغايرة بينهما واضحة.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى ؛ ج١ ؛ ص٤٥١
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥١
قوله قدّس سرّه:
«فإذا عرفت المراد من حديث العينية ...، إلى قوله: دفع وهم». «١»
الدليل على الاتحاد:
بعد أن اتضح أن المقصود من الاتحاد هو اتحاد الطلب الحقيقي مع الإرادة الحقيقية أخذ قدّس سرّه بالاستدلال على ذلك، و تمسك له بالوجدان، بتقريب أنّا لو رجعنا إلى أنفسنا عند طلب شيء لم نجد فيها شيئا غير الإرادة بمقدماتها، «٢» و هذا منبّه واضح
______________________________
(١) الدرس ٦٠: (٢٤/ ذي الحجة/ ١٤٢٤ ه).
(٢) و قد تسأل عن مقدمات الإرادة، و في الجواب نقول: إن الإنسان إذا أراد شيئا فيمرّ بجملة من المقدمات، و هي:
١- تصوّر الفعل، فإنه من دون تصوّره لا يمكن تعلّق الإرادة به.
٢- تصوّر فائدته المترتبة عليه، فإنه من دون تصوّر فائدته لا يمكن تعلّق الإرادة به.
٣- التصديق بفائدته، فإن تصوّر الفائدة لا يكفي وحده من دون التصديق بها كما هو واضح.
٤- الميل و هيجان الرغبة إليه، فإنه بعد تصوّر فائدة الفعل و التصديق بها يحصل الميل إليه و تهيّج الرغبة نحوه.
ثمّ إنه بعد تحقق هذه المقدمات الأربع تتحقق الإرادة التي هي عبارة أخرى عن الشوق الأكيد المحرك للعضلات، و ذلك إما بالتصدي للفعل بالمباشرة أو باصدار الأمر به.
ثمّ إنه بعد تحقق الإرادة- التي هي عبارة عن الشوق الأكيد- تترتب نتيجة، و هي الجزم بضرورة دفع العراقيل و الموانع التي تحول دون تحقق الفعل.-
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٢
على أن الطلب عين الإرادة.
و بكلمة أخرى: إنّا لو رجعنا إلى أنفسنا عند طلب شيء نجد فيها الشوق الأكيد- لا غير- الذي يحركنا إما إلى التصدي إلى نفس فعلنا الذي نريده و نقصده أو إلى أن نأمر غيرنا بذلك الفعل، «١» و ربما نعبّر عن ذلك الشوق الأكيد بالإرادة تارة و بالطلب أخرى.
هذا كله في الطلب الذي هو أحد الصيغ الانشائية.
و قريب من هذا يمكن أن نذكره في بقية الصيغ الانشائية، ففي باب التمني حينما يقول الشخص مثلا: ألا ليت الشباب يعود يوما ... لا يجد في نفسه شيئا آخر غير صفة التمني، و هكذا لا يجد في فرض الترجي صفة أخرى غير صفة الترجي، و هكذا في باب الاستفهام لا يجد صفة أخرى غير طلب الفهم.
______________________________
- و عليه فمقدمات الإرادة أربع، و النتيجة المترتبة عليها واحدة.
هذا و لكن الشيخ الآخوند لم يذكر في عبارة المتن المقدمة الثانية، كما أنه جعل المقدمة الرابعة قبل المقدمة الثالثة، و الحال أنه لا بدّ أن تتأخر عنها، فإن الميل و هيجان الرغبة يحصلان بعد التصديق بالفائدة، كما أنه جعل النتيجة مقدمة أخيرة للإرادة.
كما أن هناك شيئا آخر اشتملت عليه عبارة المتن، و هي أنه جعلت مقدمة الإرادة شيئا واحدا- و هو الجزم بضرورة دفع العراقيل- و البقية جعلتها مقدمات للمقدمة المذكورة، و الحال أن كل هذا لا داعي إليه، و المناسب ما فعلناه.
(١) إذا أراد الشخص فعلا معيّنا فتارة تتعلق إرادته بصدور الفعل منه نفسه، و أخرى تتعلق بصدور الفعل من غيره، فإذا أراد الشخص أن يسافر هو بنفسه كان ذلك إرادة متعلقة بفعل المريد نفسه، و يصطلح عليها بالإرادة التكوينية، و أما إذا أراد السفر من غيره فيصدر أمرا موجّها إلى الغير بالسفر، و يصطلح على ذلك بالإرادة التشريعية.
و على هذا يكون الفارق بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية هو أن الأولى متعلقة بفعل المريد نفسه، بينما الثانية متعلقة بفعل غير المريد، أعني المأمور به.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٣
هذا في الصيغ الانشائية.
و الأمر نفسه يجري في الجملة الخبرية، فإنه لا توجد في النفس صفة أخرى غير صفة العلم بثبوت النسبة أو عدم ثبوتها.
هذا و لكن المنسوب إلى الأشاعرة وجود صفة أخرى في جميع الموارد المذكورة و اصطلحوا عليها بالكلام النفسي، ففي باب الطلب قالوا: توجد صفة أخرى في النفس غير الطلب، و هي الإرادة، و في باب التمني توجد صفة أخرى في النفس غير التمني و سمّوها بالكلام النفسي، و هكذا في بقية الموارد.
و نسب إليهم انهم استدلوا على ذلك بوجوه ثلاثة، ذكر قدّس سرّه ثالثها بعنوان إشكال و دفع. و أما الأولان فهما:
١- بيت الشعر المنسوب إلى الشاعر المعروف باسم الأخطل:
|
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما |
|
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
حيث يدل هذا البيت على وجود شيء في النفس يصطلح عليه بالكلام النفسي، و هو يغاير الكلام اللفظي، و جعل الكلام اللفظي دليلا على ذلك الكلام النفسي.
٢- التمسك بالأمر الصادر في موارد الاختبار و الاعتذار، «١» فإن الشخص حينما يطلب شيئا من غيره بقصد الامتحان و الاختبار لا يكون مريدا لذلك الشيء حقيقة، فإن ذلك لازم فرض الاختبار، فيكون الطلب متحققا من دون إرادة، و هذا دليل على تغايرهما.
______________________________
(١) المراد من الاعتذار هو أن الإنسان يريد أحيانا معاقبة غيره و لكنه يريد مبرّرا لذلك خوف أن يلومه العقلاء فيستعين للوصول إلى الهدف المذكور باصدار أمر كي يعصيه الطرف و يصلح أن يكون مبرّرا للعقاب.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٤
و هكذا الحال في مورد الاعتذار، فإن الطلب يكون متحققا من دون إرادة و إلّا كان ذلك خلف فرض الاعتذار.
هذان وجهان قد يتمسك بهما.
و الجواب عنهما واضح.
أما بالنسبة إلى الأوّل فباعتبار أن كلام الشعراء لا يصلح للحجية. «١»
و أما بالنسبة إلى الثاني فلأن أقصى ما يثبته هو التغاير بين الإرادة الحقيقية و الطلب الانشائي- إذ الطلب الانشائي متحقق من دون تحقق الإرادة الحقيقية- و هذا كما هو واضح لا يضرّ بالمدعى، فإنه لم يدع اتحاد الطلب الانشائي مع الإرادة الحقيقية كي يردّ ذلك بالوجه المذكور، بل المدعى هو اتحاد الطلب الحقيقي مع الإرادة الحقيقية، و الوجه المذكور لم يثبت الانفكاك بينهما.
ثمّ ذكر قدّس سرّه بعد ذلك أنه يمكن ايقاع الصلح بين الطرفين و جعل النزاع لفظيا، و ذلك بحمل كلام من ادعى الاتحاد على الاتحاد بين الحقيقين أو بين الانشائيين، بينما كلام من ادعى المغايرة يحمل على المغايرة بين الحقيقي من أحدهما للانشائي من الآخر.
و بعد ذلك أمر قدّس سرّه بالفهم، و وجهه واضح، باعتبار أن الوجه الثالث- الذي سيذكره بعنوان إشكال و دفع- يدل على أن النزاع حقيقي و معنوي و ليس لفظيا، فانتظر ذلك.
توضيح المتن:
قائمة بها: بالإمكان الاستغناء عن هاتين الكلمتين.
______________________________
(١) و لعلّ عدم ذكر الشيخ الآخوند لهذه المناقشة لأجل شدة وضوحها. على أنه لم يسق شعر الأخطل مساق الدليل كي يحتاج إلى جواب عنه.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٥
غيرها: هذه الكلمة زائدة.
سواء ما هو: الصحيح: سوى ما هو.
عند خطور الشيء: هذه الجملة إلى قوله: و هو الجزم، هي جملة معترضة لا بدّ من وضعها بين شريطين.
ثمّ إنه تقدمت الإشارة إلى حذف بعض المقدمات و إلى أن ترتيبها بالشكل الذي ذكره قدّس سرّه قابل للتأمل.
و التصديق لفائدته: المناسب: و التصديق بفائدته.
و هو الجزم: هذا بيان لقوله: ما هو مقدمة تحققها.
عن طلبه لأجلها: أي لأجل الفائدة.
غير الصفات المعروفة: أي مقدمات الإرادة.
و قد انقدح مما حققناه: و هو أن الاتحاد المدعى إنما هو بين الحقيقيين أو بين الانشائيين و ليس بين الحقيقي من أحدهما و الانشائي من الآخر.
ما في استدلال الأشاعرة: جعل قدّس سرّه الدليل الرئيسي للأشاعرة على المغايرة هو هذا الدليل و الحال أن دليلهم المهم هو ما سيذكره تحت عنوان إشكال و دفع.
بالأمر مع ...: متعلق باستدلال.
فإنه كما لا إرادة ...: هذا وجه الانقداح.
في الصورتين: أي الاعتذار و الاختبار.
الانشائي الايقاعي: هما مترادفان و أشبه بعطف التفسير.
الكاشف عن: صفة للانفكاك.
و لكنه لا يضرّ ...: المناسب في العبارة: و لكن لا تضرّ بدعوى الاتحاد أصلا هذه المغايرة و الانفكاك ...
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٦
خلاصة البحث:
الدليل على اتحاد الطلب و الإرادة هو الوجدان حيث لا يجد الإنسان عند طلبه لشيء شيئا غير الإرادة.
و هكذا الحال في بقية الصيغ الانشائية.
و استدل الأشاعرة على إثبات المغايرة بثلاثة وجوه، و مناقشة الوجهين الأولين واضحة.
كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:
و إذا عرفت المراد من حديث الاتحاد ففي مراجعة الوجدان كفاية، فإن الإنسان- عند طلبه لشيء- لا يجد شيئا في نفسه غير الإرادة بمقدماتها.
و كذا الحال في سائر الصيغ الانشائية و الجمل الخبرية، فإنه لا توجد غير التمني و الترجي و نحوهما صفة أخرى قائمة بالنفس يكون اللفظ دالا عليها كما قيل:
|
إن الكلام لفي الفؤاد و إنما |
|
جعل اللسان على الفؤاد دليلا |
و قد انقدح مما حققناه ما في استدلال الأشاعرة على المغايرة بالأمر مع عدم الإرادة كما في صورتي الاختبار و الاعتذار من الخلل، فإن الذي يتكفله الدليل ليس إلّا الانفكاك بين الإرادة الحقيقية و الطلب الانشائي الكاشف عن مغايرتهما، و هو لا يضرّ بدعوى الاتحاد.
ثمّ إنه يمكن بما حققناه ايقاع الصلح بين الطرفين و يكون النزاع لفظيا، بأن يكون مراد مدّعي الاتحاد هو الاتحاد بين الحقيقيين أو بين الانشائيين، و مراد مدعي المغايرة هو مغايرة الانشائي من أحدهما للحقيقي من الآخر، فافهم.
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٧
قوله قدّس سرّه:
«دفع وهم ... إلى قوله: إشكال و دفع». «١»
ما هو مدلول الصيغ الإنشائية؟
قصد قدّس سرّه بهذا البحث دفع توهم ربما يخطر في الذهن، و حاصل الوهم: أنه حينما نقول: لا توجد في الصيغ الانشائية صفة أخرى غير الصفات المعروفة من التمني و الترجي و نحو ذلك فلا نقصد بهذا أن هذه الصفات هي بأنفسها مداليل للصيغ الانشائية، فليس مدلول صيغة التمني ثبوت صفة التمني في النفس، كما أنه ليس مدلول صيغة الترجي ثبوت صفة الترجي في النفس، و هكذا الحال في بقية الصيغ.
إن قلت: فما هو المدلول إذن؟
قلت: أما الجملة الخبرية فمدلولها ليس هو العلم بثبوت النسبة بل نفس ثبوت النسبة أو عدمها في موطنها الخاص الذي هو الذهن أحيانا و الخارج أحيانا أخرى.
مثال النسبة في الذهن: الإنسان نوع، فإن اتصاف الإنسان بكونه نوعا ثابت في الذهن و إلّا فهو في الخارج ليس نوعا.
و مثال النسبة في الخارج: الإنسان كاتب، فإن الكاتبية يتصف بها الإنسان في الخارج. «٢»
______________________________
(١) الدرس ٦١: (٢٥/ ذي الحجة/ ١٤٢٤ ه).
(٢) و يصطلح على الأعم من عالم الذهن و عالم الخارج و عالم الانشاء بنفس الأمر.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٨
هذا بالنسبة إلى الجملة الخبرية.
و أما الصيغ الانشائية فهي موضوعة لايجاد معانيها في عالم الانشاء، و بالأحرى هي موضوعة لانشاء معانيها، فحينما يقال: ألا ليت الشباب يعود يوما ... فالمقصود ايجاد التمني في عالم الانشاء لا ايجاده ذهنا لعدم المعنى له و لا ايجاده خارجا لأنه على خلاف الواقع، و هكذا الحال بالنسبة إلى سائر الصيغ الانشائية.
و هذا الوجود الانشائي ربما يكون سببا لترتب اعتبار عقلائي له آثاره الشرعية أو العرفية، كما هو الحال في صيغ العقود و الايقاعات، فالزوجة إذا قالت: زوّجتك نفسي و قال الزوج: قبلت، حصلت في نظر العقلاء و الشرع الزوجية- و هي اعتبار خاص- التي لها آثار شرعية و عرفية، من قبيل جواز النظر و وجوب الانفاق و ما شاكل ذلك.
إذن الصيغ الانشائية لم توضع لصفة التمني و الترجي و نحوهما بل لايجادها في عالم الانشاء.
نعم يمكن أن تدّعى هذه الدعوى، و هي أن صيغة التمني مثلا موضوعة لانشاء التمني و ايجاده في عالم الانشاء مشروطا بشرط و هو أن تكون صفة التمني ثابتة في النفس، أو على الأقل يدّعى أنها إن لم تكن مشروطة بالشرط المذكور هي منصرفة إلى حالة وجود صفة التمني في النفس.
فثبوت صفة التمني مثلا مأخوذ إما كشرط في مقام الوضع أو هو مما ينصرف إليه اطلاق الصيغة.
و بهذا يمكن أن نفسّر ما نشعر به بالوجدان عند سماع صيغ الانشاء، حيث نفهم ثبوت صفة التمني و نحوها في النفس، و منشأ هذا الشعور هو أخذ ذلك إما كشرط في مقام الوضع أو انصراف الاطلاق إلى ذلك.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٥٩
توضيح المتن:
غرض الأصحاب: أي الإمامية.
الصفات المشهورة: و هي التمني و الترجي و ...
في بعض فوائدنا: المطبوعة في آخر حاشيته على الرسائل.
موجودة لمعانيها في نفس الأمر: الذي هو أوسع من عالم الانشاء.
و كان المناسب التعبير بقوله: موجدة لمعانيها في عالم الانشاء، إلّا أنه عبّر بنفس الأمر لأنه يشمل عالم الانشاء.
ثمّ إن المراد من معانيها هو الصفات المشهورة من التمني و الترجي و نحوهما.
و تحققها بها: أي بالصيغ الانشائية. و المقصود تحققها بها في عالم الانشاء، و لعلّ حذف ذلك لوضوحه.
و هذا نحو من الوجود: أي الوجود الانشائي نحو من الوجود في مقابل الوجود الذهني و الوجود الخارجي.
لايقاعها: أي لانشائها.
فلو لم تكن هناك قرينة: أي على الخلاف.
أو اطلاقا: المناسب: أو انصرافا.
خلاصة البحث:
إن الجملة الخبرية تدل على ثبوت النسبة أو عدمها و ليس على العلم بها.
و الصيغ الانشائية تدل على انشاء الصفات المعروفة و لا تدل على ثبوتها في النفس إلّا من باب أخذها شرطا في الوضع أو من باب الانصراف.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٠
كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:
إشكال و جواب:
ليس غرض الأصحاب و المعتزلة من نفي وجود صفات في مقابل الصفات المشهورة ادعاء أن الكلام يدل مباشرة على الصفات المشهورة.
إن قلت: فعلى ما ذا يدل إذن؟
قلت: أما الجمل الخبرية فهي تدل على ثبوت النسبة أو نفيها في نفس الأمر من ذهن أو خارج، كالإنسان نوع أو كاتب.
و أما الصيغ الانشائية فهي موجدة لمعانيها في عالم الانشاء، أي قصد إيجاد معانيها بها في عالم الانشاء.
و ربما يكون الوجود الانشائي منشأ لانتزاع اعتبار ذي آثار شرعية أو عرفية، كما هو الحال في صيغ العقود و الايقاعات.
نعم يمكن أن يدعى دلالة الصيغ بالدلالة الالتزامية على ثبوت الصفات في النفس إما لأجل وضعها لانشائها فيما إذا كانت الصفات المذكورة ثابتة في النفس أو لأجل انصراف اطلاقها إلى ذلك.
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦١
قوله قدّس سرّه:
«إشكال و دفع ...، إلى قوله: وهم و دفع». «١»
الوجه الثالث للأشاعرة و مناقشته:
هذا إشارة إلى الوجه الثالث من الوجوه الثلاثة التي تمسك بها الأشاعرة لإثبات مغايرة الطلب للإرادة، و قد ساقه قدّس سرّه بصيغة إشكال و دفع. «٢»
و حاصل الوجه المذكور: أنه بناء على اتحاد الطلب و الإرادة يلزم أحد محذورين في حقّ الكفار عند تكليفهم بالإيمان بل في حقّ العصاة المسلمين أيضا عند تكليفهم بالصلاة و الصوم و ما شاكلهما من تكاليف.
و الوجه في لزوم المحذورين: أن الكفار حينما كلّفهم عزّ و جل بالإيمان و طلب ذلك منهم إما أن يفترض أنه أراد الإيمان منهم فيلزم محذور تخلّف المراد عن الإرادة، أو يفترض أنه لم تتعلق إرادته بإيمانهم فيلزم انتفاء طلبه الحقيقي- لأن لازم الاتحاد أن الطلب الحقيقي منتف عند انتفاء الإرادة- و بالتالي يلزم انتفاء تعلّق التكليف الجدي بالإيمان، إذ من دون الطلب الجدي لا يكون التكليف الجدي ثابتا، و مع انتفاء التكليف الجدي بالإيمان يلزم عدم جواز معاقبة الكفار على عدم إيمانهم.
______________________________
(١) الدرس ٦٢: (٢٦/ ذي الحجة/ ١٤٢٤ ه)؛ و الدرس ٦٣: (١٥/ محرم الحرام/ ١٤٢٥ ه).
(٢) و قد تقدمت الإشارة إلى أن هذا الوجه يظهر منه أن النزاع بين الأشاعرة و غيرهم معنوي و ليس لفظيا.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٢
إذن يلزم إما تخلّف المراد عن الإرادة أو عدم تعلّق التكليف الجدي بالإيمان.
و حاصل الجواب: إننا نختار تعلّق الإرادة بإيمان الكفار و لكن نقول: إن الإرادة اللازمة في صيرورة التكليف جديا هي الإرادة التشريعية دون الإرادة التكوينية، و من الواضح أن الإرادة التشريعية يمكن تخلّفها عن المراد و إن كانت الإرادة التكوينية لا يمكن فيها ذلك. «١»
______________________________
(١) الفارق بين الإرادتين أن الإرادة التشريعية تكون متعلقة بالتشريع أو بكلمة أخرى بفعل العباد من صلاة و صوم و ما شاكل ذلك، بينما الإرادة التكوينية تكون متعلقة بفعل اللّه سبحانه، أي بايجاد العالم بنظامه الجميل الكامل.
و إنما كان الانفكاك ممكنا في الإرادة التشريعية باعتبار أن متعلقها صدور الفعل من المكلف عن اختياره و إرادته، فإذا لم يتحقق الفعل لعدم إرادته له فلا يعدّ ذلك تخلّفا عن الإرادة.
هكذا يقال: أو يقال: إن متعلق الإرادة التشريعية حيث إنه التشريع فلا يكون هناك تخلّف، فإن التشريع متحقق بمجرد إرادته، و التعبير بالانفكاك يكون مشتملا على المسامحة، فإن الذي انفكّ عن الإرادة ليس هو متعلقها- و هو التشريع- بل فعل المكلف، و هو ليس متعلق الإرادة بل متعلق متعلقها. هذا في الإرادة التشريعية.
و أما الإرادة التكوينية فالوجه في استحالة الانفكاك فيها هو أن المحل بعد أن كان قابلا للوجود، و المفروض أن المبدأ فيّاض لا بخل في ساحته، و أيضا المفروض أن الوجود خير محض فلا بدّ من الوجود.
و ينبغي الالتفات إلى قضية أخرى، و هي أن الإرادة في حقّ اللّه سبحانه ليست عبارة عن الشوق الأكيد، فإنها بهذا المعنى هي من لوازم الممكن، و من هنا كان لا بدّ من تفسيرها بمعنى أخر، واحد التفاسير المعروفة هو أنها عبارة عن العلم بالصلاح، غايته هي في الإرادة التكوينية عبارة عن العلم بالصلاح في هذا العالم بنظامه المتكامل، و في الإرادة التشريعية عبارة عن العلم بالصلاح في فعل العباد من صلاة و صوم و ما شاكل ذلك.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٣
فإذا توافقتا: [الارادة التكوينية إن وافقت الارادة التشريعية في التعلق بالايمان لزم اشكالين]
هذا شروع في بيان مطلب لا نرى داعيا إليه لأنه ينتهي إلى نتيجة لا تحمد عقباها كما سوف يتضح.
و حاصله: أن الإرادة التشريعية للّه سبحانه تتعلق دائما بالإيمان و الطاعة، و هذا مما لا كلام فيه و لا إشكال، إذ على مستوى التشريع لا يريد اللّه سبحانه إلّا الاطاعة و الإيمان و لا يحتمل أنه يريد الكفر و العصيان.
هذا على مستوى الإرادة التشريعية.
و أما على مستوى الإرادة التكوينية فتارة يفترض أن إرادته التكوينية عزّ و جل متعلقة بذلك أيضا- أي بالاطاعة و الإيمان- فيلزم أن يصير الشخص مؤمنا مثل أبي ذر و سلمان و نظائرهما، و أخرى يفترض أنها متعلقة بخلاف ذلك- أي بالكفر و العصيان- فيلزم أن يصير الشخص مثل يزيد و معاوية. «١»
و إذا عرفنا هذا المطلب فيلزم ورود إشكالين أشار قدّس سرّه إلى كل واحد منهما بلسان إن قلت قلت.
______________________________
(١) و هذا سوف يصير منشأ لورود إشكالين سوف نشير إليهما، و لكن وقوفا أمام ورود الإشكالين يمكن أن نقول: إن الإرادة التشريعية و إن كانت متعلقة بالإيمان و الاطاعة و لكن لا يلزم تعلّق الإرادة التكوينية بهما كي يرد الإشكال، أي أن هناك إرادة تشريعية فقط كما سوف نوضّح فيما بعد، أن هذا أمر ممكن، و معه فلا إشكال.
ثمّ إن الظاهر أن الإشكال المذكور يرد حتّى بناء على عدم اتحاد الطلب و الإرادة، إذ يقال: إن كانت إرادة عند تكليف الكفار بالإيمان فيلزم انفكاك المراد عن الإرادة و إلّا يلزم عدم كون التكليف جدّيا، إذ كيف يكون جدّيا مع عدم الإرادة.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٤
الإشكال الأوّل:
أما الإشكال الأوّل فحاصله: أن الإرادة التكوينية إذا كانت متعلقة بالكفر و العصيان أو بالاطاعة و الإيمان فيلزم أن تصير هذه الأربعة خارجة عن الاختيار- لأنه بعد تعلّق الإرادة التكوينية بها يلزم أن تقع و يكون المكلف مضطرا إليها لعدم إمكان انفكاك الإرادة المذكورة عن المراد- و معه كيف يتعلق بها التكليف؟ و كيف يطلب عزّ و جلّ الإيمان و الإطاعة و ينهى عن الكفر و العصيان، و نحن نعرف أن متعلق التكليف يلزم فيه الاختيار؟
و أجاب قدّس سرّه عن ذلك بأن المتعلق للإرادة التكوينية ليس هو ذات الفعل بل هو الفعل الصادر من المكلف عن إرادته و اختياره، فاللّه سبحانه لم يرد ذات الإيمان بل الإيمان الصادر عن إرادة المكلف و اختياره، و معه لا يلزم صيرورة الإيمان الصادر من المؤمن خارجا عن الاختيار، بل يكون صادرا عن اختيار، إذ لو صدر من دون اختيار يلزم آنذاك تخلّف المراد عن الإرادة. «١» و هكذا بالنسبة إلى الكفر و العصيان و الاطاعة.
الإشكال الثاني:
و أما الإشكال الثاني فحاصله أن صدور الكفر عن إرادة الكافر لا يكون مصحّحا لاستحقاقه العقاب على كفره لأن الكافر إنما أراد الكفر من جهة أن اللّه سبحانه أراد كفره، إذ لو لم يرد سبحانه كفر المكلف لما أراد المكلف الكفر، لأن كل ممكن- و منه إرادة المكلف للكفر- لا بدّ له من علة.
______________________________
(١) هذا الجواب منسوب إلى الفلاسفة كالفارابي و ابن سينا و ابن رشد، و قد أشار إليه السبزواري في شرح المنظومة: ١٧٩؛ و الطباطبائي في نهاية الحكمة: ٣٠٢ و ٣٠٣، و بداية الحكمة: ١٨٢، و أصول الفلسفة ٣: ١٧١.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٥
و بكلمة أوضح: إن إرادة الكفر هي ممكن من الممكنات، و حيث إن كل ممكن لا بدّ له من علة فيلزم وجود علة لإرادة الكفر، و ليست هي إلّا الإرادة الأزلية، و معه يلزم انتهاء الكفر و الإيمان و الاطاعة و العصيان إلى أمر خارج عن الاختيار، أعني بذلك الإرادة الإلهية الأزلية، فيلزم الإشكال في توجيه العقاب، فكيف يعاقب اللّه سبحانه على الكفر الذي ينتهي بالتالي إلى أمر خارج عن الاختيار.
و أجاب قدّس سرّه عن ذلك بأن العقاب ليس من باب الاستحقاق بل هو من اللوازم الذاتية للكفر الناشئ عن إرادته- الكفر- الناشئة- إرادة الكفر- عن الشقاوة الذاتية.
و يمكن أن نمثّل لذلك بالبذر الجيد، فإنه يعطي نتاجا جيدا، و بالبذر الرديء، فإنه يعطي نتاجا رديئا، فجودة النتاج و رداءته هما من اللوازم الذاتية لجودة البذر و رداءته، و كذا الأمر في المقام.
و يمكن أن نمثّل لذلك بمثال آخر، و هو شرب السمّ، فإن من لوازمه الموت، فتحقّق الموت عند تناول السمّ ليس من باب الاستحقاق بل من جهة أنه من لوازمه الذاتية.
إذن العقاب حينما يوجّه إلى الكافر فليس ذلك من جهة استحقاقه له و إنما هو من جهة كونه من اللوازم الذاتية للكفر، و سبب الكفر هو الإرادة السيئة، و سبب الإرادة السيئة هو الشقاوة الذاتية. «١»
______________________________
(١) لا يخفى وجود شيء من التهافت بين جواب الإشكال الأوّل و جواب الإشكال الثاني، إذ في جواب الأوّل أسند الكفر إلى الإرادة الأزلية الإلهية، حيث ذكر أن الإرادة الأزلية متعلقة بالكفر و لكن بشرط كونه مسبوقا بالإرادة، بينما في جواب الثاني أسند الكفر إلى الشقاوة الذاتية.-
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٦
ثمّ قال قدّس سرّه: و حينما انتهى الأمر إلى السعادة و الشقاوة الذاتية لا يحقّ لك التساؤل و تكراره من جديد بصيغة أن السعادة و الشقاوة الذاتية من أين نشأتا؟
كلا، إنه لا يحقّ لك هذا، فإن العلم حينما وصل إلى هنا انكسر رأسه، «١» فإن الأمور الذاتية لا تحتاج إلى علة لها، و من هنا قيل: الذاتي لا يعلّل، أي لا يحتاج إلى علة، فمثلا اللّه عزّ و جلّ لم يخلق الزوجية للأربعة بل أوجد ذات الأربعة، و هكذا لم يخلق المشمشية للمشمش بل خلق ذات المشمش، و لم يخلق الإنسانية لذات الإنسان بل خلق ذات الإنسان، و من هنا لا يحقّ لأحد أن يقول: لم خلق اللّه الإنسان إنسانا و الفرس فرسا؟ فإن اللّه خلق ذات الإنسان و ذات الفرس و لم يخلق الإنسانية و الفرسية حتّى يرد ما ذكر.
و ذكر في ثنايا حديثه قدّس سرّه: أنه توجد بعض الأحاديث التي تشير إلى مسألة السعادة و الشقاوة الذاتيتين، من قبيل ما دلّ على أن السعيد سعيد في بطن أمّه و الشقي شقي في بطن أمّه، «٢» و ما دلّ على أن الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة. «٣»
______________________________
- و بكلمة أخرى: أن الكفر إما أن يكون مستندا إلى الإرادة الأزلية أو إلى الشقاوة الذاتية، و لا معنى لإسناده مرة إلى هذا و أخرى إلى ذاك.
(١) و قد عبّر عن هذا بشطر شعر فارسي: «قلم اينجا رسيد سر بشكست»، أي القلم حينما وصل إلى هنا- و المقصود الشقاوة الذاتية- انكسر رأسه، و يقصد بذلك الكناية عن عدم وجاهة السؤال بأن الشقاوة الذاتية من أين نشأت.
(٢) لاحظ الكافي ٨: ٨١/ الحديث ٣٩.
(٣) لاحظ الكافي ٨: ١٧٧/ الحديث ١٩٧.
ثمّ لا يخفى أن حديث: «السعيد سعيد في بطن أمّه و الشقي شقي في بطن أمّه» لا يقصد به ظاهره كما رام ذلك الشيخ الآخوند، بل يقصد به معنى آخر أشير إليه في رواية ابن أبي عمير:-
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٧
و خلاصة ما ذكره: أن العقاب ليس من باب الجزاء على العمل ليقال: كيف يثبت على أمر غير اختياري بل هو لازم ذاتي للكفر الناشئ من الشقاوة الذاتية. «١»
______________________________
- سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام عن معنى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «الشقي من شقي في بطن أمّه و السعيد من سعد في بطن أمّه»، فقال: «الشقي من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنه سيعمل أعمال الأشقياء، و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمّه أنه سيعمل أعمال السعداء». لاحظ بحار الأنوار ٥: ١٥٧/ الحديث ١٠.
هذا بالنسبة إلى الحديث المذكور.
و أما حديث: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة» فلا يبعد أن يقصد به الإشارة إلى أن الناس في كمالاتهم و أخلاقهم و صفاتهم مختلفون كاختلاف المعادن في جودة بعضها و رداءة البعض الآخر، كما أشار إلى ذلك المجلسي في تعليقه على الحديث، و بذلك يكون أجنبيا عن مسألة السعادة و الشقاوة الذاتيتين.
ثمّ إنه مع فرض التنزّل و تسليم نظر الحديثين إلى السعادة و الشقاوة الذاتيتين نقول: إنهما لا يدلان على ثبوت العلّية التامة للسعادة و الشقاوة الذاتيتين بل يلتئمان مع ثبوتهما بنحو المقتضي، و بناء على هذا يعود التساؤل بأنه لم صار هذا سعيدا و ذاك شقيا بعد فرض أن ثبوت السعادة و الشقاوة الذاتيتين هو بنحو المقتضي الذي يحتاج في تأثيره إلى الشرط و عدم المانع.
ثمّ إنه مع فرض التنزّل عن هذا أيضا نقول: إن الحديثين المذكورين لو كانا يدلان على ثبوت السعادة و الشقاوة بنحو العلية التامة و لا يمكن توجيههما بأي شكل من الأشكال فلا بدّ من طرحهما على الجدار، فإن الخبر المخالف للكتاب الكريم زخرف و لا بدّ من طرحه على الجدار.
(١) هذا الجواب منسوب إلى جماعة من الفلاسفة حيث قالوا: (إن العقاب و الثواب ليسا من معاقب خارجي و منتقم غضبان ينتقم من عدوه لإزالة ألم الغيظ و التشفي عن حرقة لهب الغضب المستحيل في حقه تعالى شأنه، بل هما من اللوازم الذاتية للأفعال الحسنة و القبيحة المنتهية إلى الشقاوة و السعادة الذاتيتين).-
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٨
توضيح المتن:
بناء على اتحاد الطلب و الإرادة: أشرنا فيما سبق إلى أن الإشكال المذكور يرد حتّى بناء على مغايرة الطلب للإرادة.
في تكليف الكفار: متعلق بيلزم، و جملة بناء على اتحاد الطلب و الإرادة هي معترضة لا بدّ من وضعها بين شريطين.
في العمل بالأركان: أي بالجوارح، كما في الصلاة و الصوم و نحوهما، فإنها تؤدى من خلال الجوارح في مقابل الإيمان الذي يؤدى بالجوانح، أي بالقلب.
و اعتباره في الطلب الجدي: الضمير يرجع إلى الطلب الحقيقي.
و المناسب التعبير بالتكليف الجدي بدل الطلب الجدي، أي أن اعتبار الطلب الحقيقي في تحقّق التكليف الجدي ربما يكون بديهيا.
إذا أراد اللّه شيئا ...: لا يراد بهذا نقل نص الآية الكريمة و إلّا فهي كما في سورة (يس ٨٢): إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
فلا يصح أن يتعلق بها: أي بالأربعة المذكورة، و هي الكفر و العصيان و الاطاعة و الإيمان. لكون هذه الأربعة خارجة عن الاختيار الذي هو معتبر في التكليف عقلا.
لو لم يكن تعلّق الإرادة بها: أي بالأربعة المذكورة.
______________________________
- و لعلّ عبارة صدر المتألهين في الاسفار ٦: ٣٨٦ قريبة من ذلك حيث قال: (و أما الثواب و العقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء، فإن الأغذية الرديئة كما أنها أسباب للأمراض الجسمانية كذلك العقائد الفاسدة و الأعمال الباطلة أسباب للأمراض النفسانية، و كذلك في جانب الثواب).
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٦٩
بمقدماتها الاختيارية: المناسب: بمقدماتها الموجبة لاختياريتها، و أنسب من ذلك: لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بإرادتها.
إلّا أنهما منتهيان: أي إلّا أن الكفر و العصيان منتهيان إلى ما لا بالاختيار- أي الإرادة الإلهية- كيف و قد سبقت الكفر و العصيان الإرادة الأزلية.
العقاب إنما يتبع: الصواب كما في متن حقائق الأصول: يستتبعه الكفر و العصيان التابعان ... أي أن العقاب إنما يستلزمه الكفر و العصيان الناشئان من الاختيار الناشئ من مقدمته- و هي الإرادة- الناشئة من الشقاوة الذاتية.
و الذاتي لا يعلل: يظهر أنه فهم قدّس سرّه من القضية المذكورة أن الأمر الذاتي لا يحتاج إلى علة رأسا، و لكنه باطل جزما، كيف و كل ممكن يحتاج إلى علة، و إنما المقصود منها أن الذاتي لا يحتاج إلى علة تغاير العلة الموجدة للذات، فالزوجية لا تحتاج إلى علة تغاير العلة الموجدة لذات الأربعة لا أنه لا تحتاج إلى علة رأسا.
شقي كذلك: أي بنفسه.
خلاصة البحث:
أشكل بأن لازم اتحاد الطلب و الإرادة إما عدم تكليف الكفار بالإيمان تكليفا جديّا أو انفكاك الإرادة عن المراد.
و أجيب بأن اللازم لصيرورة التكليف جديّا هي الإرادة التشريعية، و هي يمكن تخلّفها عن المراد.
ثمّ ذكر أن الإرادة التكوينية إن وافقت الإرادة التشريعية في التعلّق بالإيمان لزم تحقق الإيمان و إلّا لزم تحقق الكفر.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٠
ثمّ أشكل أوّلا بأن لازم هذا صيرورة الإيمان أمرا غير اختياري لكونه متعلقا للإرادة الإلهية فكيف يتعلق به التكليف؟
و أجيب بأنها متعلقة به بشرط كونه مسبوقا بإرادة المكلف.
ثمّ أشكل بأن هذا المقدار لا يكفي لصيرورة الإيمان أو الكفر اختياريا، إذ إرادة الإيمان و الكفر حيث إنها ممكنة فلا بدّ من انتهائها إلى الإرادة الأزلية فكيف يصح العقاب على الكفر؟
و أجيب بأن العقاب لازم ذاتي للكفر الناشئ من إرادته الناشئة من الشقاوة الذاتية التي هي لا تحتاج إلى علة لأن الذاتي لا يعلل، و ليس من باب الاستحقاق ليقال أنه لا استحقاق للعقاب.
كفاية الأصول في أسلوبها الثاني:
إشكال و جواب:
أما الإشكال فهو أنه بناء على اتحاد الطلب و الإرادة يلزم في تكليف الكفار بالإيمان بل المسلمين العصاة بأداء الواجبات إما تخلّف المراد عن الإرادة على فرض تعلّق الإرادة بالإيمان أو عدم كون التكليف بالإيمان جدّيا على تقدير عدم تعلّقها الموجب لعدم تحقق الطلب الحقيقي الذي هو معتبر في صيرورة التكليف جديا.
و أما الجواب فهو أن استحالة التخلّف إنما تكون في الإرادة التكوينية- و هي العلم بالنظام على النحو الكامل التام- دون الإرادة التشريعية- و هي العلم بالمصلحة في فعل المكلف- و ما لا محيص عنه في التكليف إنما هو الإرادة التشريعية لا التكوينية.
ثمّ إنه ينبغي الالتفات إلى أنه إذا توافقتا فلا بدّ من الاطاعة و الإيمان، و إذا تخالفتا فلا محيص عن اختيار الكفر و العصيان.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧١
إن قلت: إذا كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الإيمان بإرادته تعالى التي لا تتخلف عن المراد يلزم عدم إمكان تعلّق التكليف بهذه الأربعة لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.
قلت: إنما تخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلق الإرادة الإلهية بها موقوفا على صدورها بإرادة المكلف و إلّا فلا بدّ من صدورها بالاختيار حذرا من تخلّف إرادته عن مراده تعالى.
إن قلت: إن الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بإرادتهما إلّا أنهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، حيث سبقتهما الإرادة الأزلية، و معه كيف تصحّ المؤاخذة على ما ينتهي إلى غير الاختيار.
قلت: العقاب هو من لوازم الكفر و العصيان الناشئين من الاختيار الناشئ عن الإرادة الناشئة من الشقاوة الذاتية اللازمة لذات الكافر و العاصي، فإن السعيد سعيد في بطن أمّه و الشقي شقي في بطن أمّه، و الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة، و الذاتي لا يعلّل، فانقطع سؤال لم جعل السعيد سعيدا و الشقي شقيا، فإن السعيد سعيد بنفسه و الشقي شقي بنفسه و إنما أوجدهما اللّه تعالى، و الأمر كما قال الشاعر: (قلم اينجا رسيد سر بشكست).
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٢
الجهة الخامسة: ملاحظات على الموضوع: «١»
يمكن في هذا المجال تسجيل عدة ملاحظات هي:
١- أن ما ذكره في الجواب عن إشكال العقاب لا يرفع الإشكال، بل على العكس يثبته، إذ يلزم بالتالي أن يكون العقاب ثابتا على أمر ذاتي، أعني به السعادة و الشقاوة الذاتيتين، و من الواضح أن العقاب على الأمر الذاتي قبيح، لأنه عقاب على أمر غير اختياري.
و لو رجعنا إلى وجداننا وجدنا صحة مؤاخذة المولى العرفي لعبده على مخالفة تكاليفه من دون صحة الاعتذار منه بأن المخالفة مستندة إلى أمر ذاتي، أعني الشقاوة الذاتية، و هذا شاهد واضح على كون العقاب مترتبا على أمر اختياري.
بل نقول: إن لازم الجواب الذي ذكره الشيخ الآخوند صحة أن يحتج العبد على المولى و يقول له: سيدي أنت خلقت شقاوتي بسبب ايجاد ذاتي- فإن من أوجد الذات يكون موجدا لذاتياتها، فموجد الأربعة موجد لزوجيتها- فلما ذا تعاقب على شيء خلقته أنت؟
و أما قضية الذاتي لا يعلّل فلا يقصد بها أن الأمر الذاتي لا يحتاج إلى علة، كيف و كل ممكن بحاجة إلى علة، بل هي بمعنى أنه لا يحتاج إلى علة تغاير العلة الموجدة للذات.
٢- أن ما ذكره يتلائم مع فكرة كون الإنسان مجبرا في أفعاله لأن
______________________________
(١) ذكرنا هذه الملاحظات و ما بعدها تكميلا للبحث شعورا منّا بأهميته و دقته.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٣
كل ما يقوم به ينتهي بالتالي إلى الشقاوة أو السعادة الذاتية اللتين هما خارجتان عن الاختيار و مخلوقتان للّه سبحانه بسبب خلقه للذات، فإن خالق الذات خالق لذاتياتها.
و بكلمة جامعة لهذه الملاحظة و سابقتها: إن ما ذكره تلزم منه فكرة كون الإنسان مجبرا في أفعاله و استحكام إشكال العقاب.
٣- أن ما ذكره مناف لما دلّ على أن العذاب هو من باب الاستحقاق و الجزاء، و لما دلّ على ثبوت فكرة المغفرة و التوبة و الشفاعة، و لما دلّ على أن العبد يوقف و يسأل عن الصغير و الكبير، بل تلزم لغوية إرسال الرسل و انزال الكتب، و هكذا تلزم لغوية تشريع الدعاء و طلب التوفيق و الاستقامة و عدم الانحراف.
و الصحيح في دفع الإشكال أن يقال: إننا نسلّم حاجة كل ممكن إلى علة، و لكن نقول: إن وجود الأفعال من الإنسان معلول لإرادته و اختياره، و الإرادة و الاختيار في ذاتهما معلولان للّه سبحانه، حيث أعطى القدرة على انتخاب الطريق و العمل وفق الإرادة إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً، «١» كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، «٢» و أما إعمال الإرادة بهذا الشكل أو بذاك فهو لا يحتاج إلى علة فاعلية و إنما يحتاج إلى مرجّح، فإن الترجيح بلا مرجّح قبيح، و هذه هي نقطة الخلط و الخبط.
و للتوضيح أزيد نقول: إن وجود الفعل يحتاج إلى علة، و هي الإرادة، و أما الإرادة نفسها فتارة يقال: هي في أصل وجودها تحتاج إلى
______________________________
(١) الإنسان: ٣.
(٢) الإسراء: ٢٠.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٤
علة، و أخرى يقال: إن إعمالها بهذا الشكل أو بذلك الشكل يحتاج إلى علة، و ما هي العلة؟ إنها الإرادة الإلهية، و بذلك يعود الإشكال من جديد.
و الجواب: إن السؤال الأوّل يمكن أن نقول عنه: إن اللّه سبحانه هو الذي أوجد ذات القدرة و الإرادة على انتخاب الطريق، و خلقهما في الإنسان عند ما خلق ذاته، و لا يلزم من ذلك كون الإنسان مجبرا في أفعاله بل على العكس يلزم أن يكون حرا فيها.
و أما السؤال الثاني: فنقول عنه: إن إعمال الإنسان لإرادته بهذا الشكل أو بذاك يحتاج إلى مرجّح و ليس إلى علة موجدة، و المرجّح أمر اختياري جزما، إذ يجد الإنسان بوجدانه أنه حينما يرجّح أحد الطرفين فهو يرجّح بمحض اختياره.
و قد تقول: إن الإرادة هي في نفسها أمر غير اختياري لأنها عبارة عن الشوق، و هو أمر غير اختياري، و بذلك يعود الإشكال، و جواب هذا يأتي فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و أما حديث السعيد سعيد في بطن أمّه ... و حديث الناس معادن فقد تقدم الكلام عنهما.
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٥
الجبر أو التفويض أو الأمر بين الأمرين: «١»
تكميلا للفائدة رأينا من المناسب- بعد أن جرّ الشيخ الآخوند الحديث إلى ذلك- التعرّض بشكل مختصر و عابر إلى الفكر الثلاث، أعني فكرة الجبر و فكرة التفويض و فكرة الأمر بين الأمرين.
و قبل هذا نعرض بشكل مختصر إلى حقيقة الإرادة في الإنسان و أنها ما ذا تعني؟ و هل هي اختيارية أو لا، لاحتياج البحث إلى تحقيق ذلك.
حقيقة الإرادة و بعض الأبحاث المرتبطة بها:
ذكر الشيخ النائيني أن حقيقة الإرادة عبارة عن الشوق الأكيد، و حيث إن الشوق أمر يحصل من دون اختيار فيلزم التفكير في ايجاد وسيط بين الإرادة و الأفعال الصادرة من الإنسان، إذ لو كانت الأفعال صادرة من الإنسان من خلال إرادته مباشرة يلزم أن تكون غير اختيارية، و عبّر عن الوسيط بهجمة النفس أو الاختيار، و استند في ذلك إلى الوجدان، فإنه حاكم بأن الإنسان مختار في أفعاله.
و بكلمة أخرى: أن علّية الإرادة للفعل دون توسيط ما ذكر مؤسس لمذهب الجبر و هادم لأساس الاختيار.
ثمّ قال: و لو لا ما ذكرناه يلزم صدق شبهة إمام المشككين في عدم جواز العقاب، حيث إن الفعل معلول للإرادة، و الإرادة أمر غير اختياري،
______________________________
(١) الدرس ٦٤- ٦٦: (١٦- ١٨/ محرم الحرام/ ١٤٢٥ ه).
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٦
و الجواب عن هذه الشبهة على ما ادعاه أمر غير ممكن و لو تظاهر الثقلان. هذا ما ذكره قدّس سرّه. «١»
و قد سبقه في افادة هذا المطلب الشيخ محمّد تقي الاصفهاني في هداية المسترشدين، بل نسب الشيخ النائيني ما ذكره إلى جماعة من محققي المتأخرين.
و قد نسب الشهيد مطهري ذلك إلى جماعة من المتكلمين. «٢»
و قد قبل هذا السيد الخوئي و اصطلح على الوسيط بإعمال القدرة و السلطنة اللذين يعبر عنهما بالاختيار. «٣»
و أما مفهوم السلطنة الذي استعان به السيد الشهيد فهو قد ذكره لا كوسيط بين الإرادة و الفعل بل لبيان أن قاعدة (الشيء ما لم يجب لا يوجد) تختص بغير موارد وجود السلطنة، فالشيء لا يوجد إلّا أن يصل إلى مرحلة الوجوب أو يفترض وجود السلطنة. «٤» و ربما يتضح المطلب أكثر فيما بعد إن شاء اللّه تعالى.
و الخلاصة: أن الشيخ النائيني و غيره فسروا الإرادة بالشوق المؤكد و فكّروا في ايجاد وسيط بين الإرادة و الفعل ليكون صدوره من خلال الوسيط اختياريا.
و فيه:
أوّلا: إن تفسير الإرادة بالشوق المؤكد محل تأمل، فإنه تفسير منسوب إلى الحكماء، و قد اختاره السبزواري في منظومته بقوله: (شوقا مؤكدا إرادة سما) و قد سار عليه الأصوليون و لم يذكروا غيره.
______________________________
(١) أجود التقريرات ١: ٨٩.
(٢) لاحظ تعليقته على أصول الفلسفة ٣: ١٦٣.
(٣) محاضرات في أصول الفقه/ موسوعة الإمام الخوئي ٤٣: ٤٠٣.
(٤) مباحث الأصول/ الجزء الأوّل من القسم الثاني: ٥٣٣.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٧
و قد ذكر السبزواري في هامش شرح المنظومة في مبحث الإرادة- عند قوله: أنه عرّفت بتعريفات متعددة- قسما من تعريفات الإرادة، و اختار هو تفسيرها بالشوق المؤكد. «١» و ذكر قسما منها أيضا العلامة في كشف المراد عند البحث عن الإرادة و الكراهة، «٢» و اللاهيجي في شرحه، «٣» و القوشجي في شرحه. «٤» و المحتملات هي:
١- إنها عبارة عن اعتقاد النفع سواء كان علما أو ظنا. و قد ذهب إلى هذا كثير من المعتزلة، و اختاره الطوسي في تجريد الاعتقاد، و قال في توجيه ذلك: إن نسبة قدرة الإنسان إلى الفعل و الترك على حدّ سواء فإذا اعتقد النفع في أحد الطرفين ترجّح عنده ذلك الطرف و صار الاعتقاد المذكور إذا انضمت إليه القدرة موجبا لوقوع الفعل، فالاعتقاد المذكور المنضم إليه القدرة هو عبارة أخرى عن الإرادة.
٢- ما ذهب إليه جماعة من أن الاعتقاد المذكور هو الداعي إلى الفعل أو الترك و ليس هو الإرادة و إنما الإرادة عبارة عن الميل الذي يعقب اعتقاد النفع، إذ كثيرا ما يحصل اعتقاد النفع و لا يحصل الميل، فمتى ما حصل كان ذلك هو الإرادة.
٣- ما هو المختار لدى الحكماء و الأصوليين من أنها عبارة عن الشوق المؤكد.
هذا و ربما توجد تفاسير أخرى.
______________________________
(١) شرح المنظومة للسبزواري: ١٨٤.
(٢) كشف المراد: ١٩٤.
(٣) شوارق الالهام: ٤٤٦.
(٤) شرح التجريد للقوشجي: ٢٧٩.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٨
و الذي نشعر به بوجداننا أن الإرادة عبارة عن البناء و التصميم القلبي و ليست هي الشوق المؤكد و إن كان الشوق ربما يكون مقدمة لذلك أحيانا.
و هي على هذا الأساس فعل نفسي و ليست صفة من صفات النفس، كما هو الحال بناء على تفسيرها بالشوق المؤكد.
و دليلنا على التفسير المذكور أن الإنسان ربما يريد شيئا و هو ليس بمشتاق له، كبيع دار عزيزة عليه لبعض نوائب الزمان.
و على هذا فالإرادة عملية تعقب الشوق في كثير من الأحيان، و ربما تنفك عنه.
و ربما يظهر من السيد الطباطبائي ذلك، أي تفسيرها بأمر متأخر عن الشوق و ليس به نفسه. «١»
ثمّ إنه بناء على هذا تكون الإرادة اختيارية لأن أفعال النفس بشكل عام أمور اختيارية.
و ثانيا: أنه لو تنزلنا و سلّمنا بتفسير الإرادة بالشوق فنقول: إن كون الشوق أمرا غير اختياري أوّل الكلام، فإنه بالتأمل في عواقب الشيء أو ايجابياته ربما يزول الشوق كما ربما يحصل.
و أحسن منبّه على ذلك حبّ أهل البيت عليهم و مودتهم، فإنهما واجبان، و ما ذاك إلّا دليل على اختياريتهما من خلال ملاحظة فضائلهم و مناقبهم، و من الواضح أن الشوق إن لم يكن عين الحب و المودة فهو مقارب لهما.
هذه هي المقدمة الصغيرة التي أردنا بيانها قبل عرض الفكر الثلاث المتقدمة.
______________________________
(١) نهاية الحكمة: ١٢١ و ١٢٢.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٧٩
فكرة الجبر:
مسألة الجبر و الاختيار مسألة ذات أبعاد واسعة، و نحن لا نريد التعرض إلى أدلة القولين، فإن ذلك بحث كلامي أو فلسفي، و من أحبّ الاطلاع فبإمكانه مراجعة كشف المراد عند البحث عن أفعاله سبحانه تحت عنوان (إِنَّا لَفاعِلُونَ)، حيث ذكرت تسعة أدلة على الجبر، «١» كما أشير إلى بعضها في نهاية الحكمة «٢» و بداية الحكمة، «٣» إلّا أنه نريد أن نذكر هنا ثلاث شبه من شبه الجبرية لتسريها إلى كلمات بعض الأصوليين.
الشبهة الأولى:
إن هناك قاعدة مسلّمة لدى الحكماء تقول: الشيء ما لم يجب لا يوجد، «٤» و طبقا لهذه القاعدة يلزم أن تكون أفعالنا واصلة إلى درجة الوجوب و الضرورة، و من الواضح أن الوجوب لا يتلائم مع الاختيار بل مع الاضطرار و إنما المتلائم مع الاختيار هو الإمكان، كما هو واضح.
و قد أجاب غير واحد من الفلاسفة و الأصوليين بأن القاعدة المذكورة لا تعمّ الأفعال الاختيارية أو بالأحرى لا تتنافى مع الاختيار لأن الوجوب الناشئ من السلطنة و الاختيار عين السلطنة و الاختيار
______________________________
(١) كشف المراد: ٢٣٩.
(٢) نهاية الحكمة: الفصل الرابع عشر من المرحلة الثانية عشرة/ ٣٠٢.
(٣) بداية الحكمة: البحث عن قدرة اللّه سبحانه/ ١٨١.
(٤) باعتبار أنه إذا لم يصل إلى درجة الوجوب فهو ممكن، و نسبة الإمكان إلى طرفي الوجود و العدم هي على حدّ سواء، و معه كيف ترجّح الوجود و لم ينعدم الشيء؟ إن ترجّح الوجود على العدم خلف فرض كون الشيء ممكنا و ذا نسبة متساوية إلى الوجود و العدم.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٠
و يؤكدهما و لا ينافيهما، فالفاعل المختار إذا أعمل سلطنته و اختياره صار وجود الفعل واجبا و لا يمكن أن يتخلّف وجوده، و لكن هذا الوجوب حيث إنه نشأ من نفس السلطنة و الاختيار فهو يؤكدهما.
و هذا الجواب جيد إذا فرض أن الإرادة قد بنينا على أنها أمر اختياري، و إلّا فمجرد نشوء الوجوب من الإرادة التي هي غير اختيارية لا يصيّر الفعل اختياريا.
نعم بناء على فكرة وجود الوسيط بين الإرادة و الفعل الذي يعبّر عنه بإعمال القدرة أو نحو ذلك لا تعود مشكلة من هذه الناحية لأن الوجوب يكون ناشئا من إعمال القدرة.
و السيد الشهيد صار إلى جواب آخر حيث استعان بمفهوم السلطنة، و ذكر أن الإنسان له سلطنة على أفعاله، و ذلك أمر وجداني، و الفعل في وجوده يحتاج إما إلى الوجوب أو إلى السلطنة، فقاعدة الشيء ما لم يجب لا يوجد مسلّمة في غير من له السلطنة، أما هو فيكفي في وجوده السلطنة بلا حاجة إلى وصوله إلى مرحلة الوجوب. «١»
إلّا أن كل هذا لا داعي إليه بعد ما اخترناه في تفسير حقيقة الإرادة و توضيح أنها اختيارية.
الشبهة الثانية:
إن جميع ما سوى اللّه سبحانه حيث إنه ممكن فلا بدّ و أن ينتهي إلى إرادته سبحانه، فإن كل ممكن لا بدّ و أن ينتهي إلى واجب بالذات، إذا كانت الإرادة الأزلية متعلقة بأفعال العباد فلازم ذلك الجبر، إذ مع تعلق الإرادة الأزلية لا يمكن التخلّف.
______________________________
(١) مباحث الأصول: الجزء الأوّل من القسم الثاني/ ٥٣٣.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨١
و أجاب الفلاسفة على ما في نهاية الحكمة «١» بأن الإرادة الأزلية لم تتعلق بذات الفعل بل هي متعلقة بالفعل الصادر عن إرادة الإنسان، فاللّه سبحانه أراد من الإنسان أن يفعل الصلاة و سائر الأفعال عن اختياره، و معه فلا بدّ و أن يكون صدور الفعل عن اختيار الإنسان، إذ لو لم يصدر عن اختياره يلزم حينذاك تخلف المراد عن الإرادة.
و هذا الجواب قد بنى عليه الشيخ الآخوند في كفايته في مبحث الطلب و الإرادة. «٢»
و يمكن الايراد على الجواب المذكور بأن الفعل و إن صار بواسطة هذا البيان اختياريا إلّا أنه يمكن نقل الكلام إلى نفس الإرادة، فإنها أيضا ممكن من الممكنات فيلزم أن تنتهي إلى إرادة اللّه سبحانه، و بذلك يلزم الجبر، حيث يصير الإنسان غير مختار في إرادته لأن اللّه سبحانه أراد منه تلك الإرادة.
و الشيخ الآخوند يظهر منه التسليم بهذا الإشكال و تخلّص من إشكال العقاب بأنه- العقاب- هو من اللوازم الذاتية للمعصية، و هي من لوازم الإرادة، و هي ناشئة عن الشقاوة الذاتية، و الذاتي لا يعلل.
و قد أشرنا فيما سبق إلى مواقع الخلل في هذا الجواب و إلى ما هو الصحيح في الجواب.
الشبهة الثالثة:
إن الإرادة حيث إنها أمر حادث ممكن فطبقا لقاعدة الشيء ما لم يجب لا يوجد يلزم أن تصل إلى درجة الوجوب، و معه تصير الإرادة ضرورية و يعود الإشكال.
______________________________
(١) نهاية الحكمة: ٣٠٣.
(٢) كفاية الأصول ١: ١٠٠.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٢
و قد يجاب بأن هذا لا يلزم منه صيرورة الفعل ضروريا لأن مناط اختيارية الفعل هو صدق القضية الشرطية، و هي إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل، فمتى ما صدقت القضية المذكورة كان الفعل اختياريا حتّى و إن كان شرطها واجبا كما في المقام.
و فيه: أن النزاع ليس في مصطلح الفعل الاختياري ليقال بأنه صادق بل في تصحيح التكليف و العقاب، و من الواضح أن الإرادة إذا كانت واجبة فصدور الفعل يكون واجبا، و معه فلا يصح التكليف و لا العقاب.
و لعلّ الأنسب في الجواب أن يقال: إن قاعدة الشيء ما لم يجب لا يوجد هل يراد تطبيقها بلحاظ أصل وجود الإرادة أو بلحاظ إعمالها بهذا الشكل دون ذاك؟
فإن كان المقصود هو الأوّل فيرده أن الإرادة و الاختيار ثابتان مع خلقة الإنسان منذ بداية ولادته و لم يكونا معدومين ثمّ وجدا ليكون هناك مجال لتطبيق القاعدة، فاللّه سبحانه خلق الإنسان و فطره و هو متصف بالإرادة و الاختيار.
و إن كان المقصود هو الثاني فيردّه أن إعمال الإرادة بهذا الشكل أو بذاك لا يحتاج إلى علة ليقال مع تحققها يصير إعمال الإرادة بهذا الشكل دون ذاك واجبا بل خلق اللّه الإنسان و هو قادر على إعمال الإرادة بأي شكل، غاية الأمر لا بدّ من فرض وجود المرجح لكي لا يلزم محذور اللغوية.
فكرة التفويض:
قد يستدل على فكرة التفويض بأن الإنسان بعد أن خلقه اللّه سبحانه لا يكون في بقائه بحاجة إلى العلة لأن المفروض أنه قد وجد، و معه يلزم أن تكون الأفعال الصادرة منه- الإنسان- مستندة إليه و ليس إلى العلة المحدثة لفرض استغنائه عنها.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٣
و فيه: أن هذا مبني على أن سر حاجة الممكنات إلى العلة هو حدوثها و لكنه ليس كذلك بل هو إمكانها و فقرها الذاتي، و معه يكون الإنسان في بقاء وجوده و في كل أفعاله محتاجا إلى اللّه سبحانه لا أنه مستغن عنه.
على أنه لو سلّمنا أن سر الحاجة هو الحدوث فنقول: إن البقاء عبارة عن مجموعة وجودات و كلها لم تكن سابقا ثمّ ثبتت و حصلت، فهي بأجمعها مسبوقة بالعدم، و بالتالي هي بأجمعها حدوثات، فيحتاج كل واحد منها إلى العلة، غاية الأمر جرى الاصطلاح بالتعبير عن الأوّل بالحدوث و عن البقية بالبقاء إلّا أن مجرد الاصطلاح لا يغيّر من الواقع شيئا.
فكرة الأمر بين الأمرين:
بعد أن حاربت روايات أهل البيت عليهم السّلام فكرة الجبر و فكرة التفويض أثبتت فكرة الأمر بين الأمرين و المنزلة بين المنزلتين.
و قد وردت في ذلك روايات كثيرة جمعها الشيخ المجلسي في بحاره في الجزء الخامس (ص ٤- ٨٤).
و ما هو المقصود من هذه الجملة القصيرة المجملة التي انعكس إجمالها على الرواة حيث سألوا الأئمّة عليهم السّلام عن ذلك. «١»
قد يتخيل أن المقصود وجود شيء من الجبر و شيء من التفويض، و قد نقل الشيخ المجلسي قولا يقول: إن بعض الأفعال تقع باختيار العبد، و هي الأفعال التكليفية، كالصلاة و الصوم و الحج و نحوها، و بعضها يقع بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة.
و هذا باطل، فإن الجبر باطل قليله و كثيره، و إنما المقصود من الأمر
______________________________
(١) لاحظ بحار الأنوار ٥: ١١- ١٧.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٤
بين الأمرين نظير ما يقال: لا افراط و لا تفريط بل ما بينهما، فإنه ليس المقصود من البينيّة وجود شيء من الافراط و شيء من التفريط بل المقصود الحدّ الوسط الذي لا يشتمل على الافراط و لا على التفريط، و المقصود هنا ذلك أيضا.
و الشيخ المجلسي بعد عرضه للروايات نقل عدة احتمالات بل أقوال في تفسير الجملة المذكورة. «١»
و ننقل ثلاثة أقوال غير ما نقله الشيخ المجلسي هي:
١- ما ينسب إلى عرفاء الفلاسفة، و حاصله: أن الوجود واحد، و هو وجود اللّه سبحانه و لا يوجد وجودان: وجود للّه سبحانه و وجود للعبد، و الثاني مسبّب عن الأوّل، بل الوجود واحد، و هو وجود اللّه سبحانه، و بقية الوجودات ما هي إلّا أظلة و اشعاعات لذلك الوجود الواحد الحقيقي، نظير نور الشمس المشرق على الغرف و غيرها، فإن الغرفة تبدو منيرة و لكن ذلك النور ليس هو حقيقة إلّا نور الشمس و ليس نورا حقيقيا مسببا عن نور الشمس، و إنما هو نفس نور الشمس شعّ على الأشياء فبدت منيرة.
و هكذا بالنسبة إلى الأفعال الصادرة من الناس، فإنها أفعال اللّه، و الفاعل لها هو اللّه و لكن تنسب إلى العباد نسبة مجازية باعتبار أنها ظلّ لفعل اللّه سبحانه.
و عليه فالمقصود من الأمر بين الأمرين هو هذا المعنى، أي أن الأفعال الصادرة لها نسبتان: نسبة حقيقية إلى اللّه سبحانه و نسبة مجازية إلى العباد.
______________________________
(١) بحار الأنوار ٥: ٨٣.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٥
و هذا القول يبتني على التصوّر العرفاني المذكور، و هو ليس واضحا لنا.
مضافا إلى أن ظاهره يستلزم ما لا يمكن الالتزام به، إذ لو كانت الأفعال أفعال اللّه سبحانه يلزم نسبة الزنا و السرقة و نحوهما إلى اللّه فيما إذا صدرت من الإنسان.
٢- أن إرادة اللّه سبحانه متعلقة بفعل المكلف و لكن في طول تعلّق إرادة المكلف به، فاللّه يريد الفعل الصادر عن الإنسان بإرادته و اختياره، فهو لا يريد ذات الفعل بل يريد الفعل الصادر عن اختيار الإنسان.
إذن الفاعل للفعل اثنان: اللّه و الإنسان، و لكن فاعلية اللّه في طول فاعلية الإنسان لا في عرضها.
و بهذا فسّر السيد الطباطبائي و الشهيد مطهري فكرة الأمر بين الأمرين. «١»
قال السيد الطباطبائي: (و هذا هو معنى الأمر بين الأمرين، و ليس معناه أن بعض الأفعال لها علة و بعضها ليس لها ذلك). «٢»
و قد يورد على الوجه المذكور أن فعل الإنسان و إن كان صادرا عن اختياره إلّا أنه في اختياره و إرادته ليس مختارا. و ربما يظهر ذلك من السبزواري في شرح المنظومة، حيث قال: (و باختيار اختيار ما بدا)، و أضاف قائلا: (لكن هذا لا ينافي كون فعل العبد باختياره، إذ الفعل
______________________________
(١) نهاية الحكمة: ٣٠٣- ٣٠٥؛ أصول الفلسفة ٣: ١٧١؛ هامش أصول الفلسفة للمطهري ٣: ١٧٤.
(٢) أصول الفلسفة ٣: ١٧١.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٦
الاختياري ما يكون ذلك الفعل بالاختيار لا ما يكون اختيار الفعل بالاختيار). «١»
و فيه: أن الطولية لا يلزم منها محذور لو كانت هكذا: يريد اللّه ما أراده الشخص بحيث لو غيّر الشخص إرادته غيّر اللّه سبحانه إرادته، إنه بناء على هذا يكون اختيار الشخص ناشئا عن اختياره و ليس مضطرا إليه ليلزم الإشكال.
نعم الإشكال يلزم لو كان اللّه يريد أن يريد الإنسان الفعل الفلاني، إنه بناء على هذا يلزم أن يكون الإنسان مجبرا في إرادته، أما إذا كان اللّه يريد الفعل الذي يريده الإنسان فلا يلزم إشكال.
نعم قد يشكل أن الفعل الواحد لا يتحمّل علتين و إرادتين، فإن كل إرادة علة كافية لايجاده فإذا اجتمعت إرادتان على شيء واحد يلزم اجتماع علتين عليه، اللهم إلّا أن يدفع بأن إرادة الإنسان وحده لا تكفي لايجاد الفعل إلّا إذا انضمت إليها إرادة اللّه سبحانه غير أن هذا مطلب آخر.
و على هذا فالبيان المذكور وجيه إلّا أن تفسير الجملة الشريفة:
«و لكن أمر بين أمرين» به موقوف على أن لا يكون الوجه الثالث أقرب منه و إلّا تعيّن المصير إليه.
٣- التفسير الذي بنى عليه جماعة من الشيعة كالشيخ المفيد في شرحه لعقائد الشيخ الصدوق «٢» و اختاره الشيخ النائيني «٣» و الشيخ
______________________________
(١) شرح المنظومة للسبزواري: ١٧٩.
(٢) لاحظ بحار الأنوار ٥: ١٨ للاطلاع على عبارة الشيخ المفيد.
(٣) أجود التقريرات ١: ٩١.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٧
العراقي «١» و الشيخ الاصفهاني «٢» و غيرهم، و حاصله: أن الفعل الصادر من الإنسان يمكن نسبته إلى اللّه سبحانه و إلى الإنسان.
أما إلى الإنسان فباعتبار أنه صادر منه بإرادته و اختياره.
و أما إلى اللّه سبحانه فباعتبار أنه هو المانح للاختيار و القدرة و العلم حدوثا و بقاء، فهو لم يصدر باختيار الإنسان فقط، و لا باقدار اللّه سبحانه فقط، بل بلحاظهما معا.
و مثّل له السيد الخوئي بمن كانت يده شلاء و أوصلها آخر بسلك كهربائي يتمكن بسببه من إعمالها بصورة طبيعية، فإذا ضرب صاحب اليد المذكورة شخصا فهذا الضرب ينسب إلى الاثنين معا، فهو ينسب إلى صاحب اليد باعتبار أنه ضرب باختياره و ينسب إلى من أوصل السلك الكهربائي باعتبار أنه مفيض القدرة. «٣»
و يمكن ذكر أمثلة أخرى لذلك، كما لو فرض وجود كأس في الطابق العلوي يوجد فيه ماء أو غيره و نصب شخص مصعدا كهربائيا إلى الطابق العلوي و تمكّن شخص آخر من الصعود و شرب ما في الكأس، فإنه في مثله يسند الفعل إلى الاثنين معا و ليس إلى أحدهما بالخصوص.
و هذا التفسير وجيه و قريب و لكن لا يمكن الجزم بكونه هو المراد، فإن العبارة قابلة له و لغيره.
______________________________
(١) بدائع الأفكار: ٢٠٥.
(٢) نهاية الدراية ١: ١٩؛ رسالة الطلب و الإرادة: ٥٣.
(٣) محاضرات في أصول الفقه ٤٣: ٤٣٣ و ٤٣٤؛ البيان في تفسير القرآن الكريم: ٨٩.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٨
و ربما يدعم التفسير المذكور ببعض الشواهد القرآنية، من قبيل:
قوله تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، «١» حيث يدل على أن صدور الفعل من الإنسان منوط بمشيته و بمشية اللّه سبحانه و لكن مشية الإنسان متعلقة بذات الفعل بينما مشية اللّه متعلقة بإفاضة القدرة و الحياة.
و قوله تعالى: وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً* إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، «٢» أي لا تقولنّ إني سأفعل الشيء الفلاني غدا، فإن اللّه سبحانه قد لا يشاء فعلك و ذلك بسلب الحياة أو القدرة عنك، فيدل ذلك على أدب قرآني و أنه في مقام التعبير لا بدّ و أن يعبّر المؤمن هكذا: إن شاء اللّه سبحانه فإني سأفعل الشيء الفلاني غدا.
و بناء على هذا يستفاد أن صدور الفعل من الإنسان يحتاج إلى مشية اللّه و مشية الإنسان نفسه، و لكن مشية الإنسان تتعلق بالفعل الصادر منه بينما مشية اللّه تكون متعلقة بحياة الإنسان و قدرته.
هذا و يحتمل أن يكون مقصود الآية شيئا آخر، و هو أنه ينبغي للمؤمن أن لا ينسب صدور الفعل إلى نفسه حتّى مع التعليق على مشية اللّه سبحانه، و بناء على هذا يكون قوله: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ جزءا من مقول القول، أي لا تقولوا حتّى هذا التعبير: سأفعل غدا الشيء الفلاني إن لم يشأ اللّه سبحانه خلاف ذلك، حيث يدل التعبير المذكور على أن الإنسان مستقل في فعله و أنه مفوّض إليه و أن الذي يضرّه هو المشية على الخلاف و لا يحتاج إلى المشية الموافقة، فتدل الآية الكريمة بناء على هذا على ابطال فكرة التفويض و لا تدل على إثبات فكرة الأمر بين الأمرين.
______________________________
(١) الإنسان: ٣٠.
(٢) الكهف: ٢٣ و ٢٤.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٨٩
و قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، «١» حيث دلّ على أن العبادة صادرة من الإنسان و لكنه بحاجة إلى معونة من اللّه سبحانه في تحققها، و ليس ذلك إلّا بإفاضة أسباب التوفيق و وسائله.
و قوله تعالى: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ، «٢» حيث دلّ على أن الإنسان لا يصدر منه أيّ فعل إلّا بتوفيق اللّه سبحانه، و ذلك بإفاضة القدرة و الحياة و ما شاكل ذلك.
و لعلّ أحسن تعبير يتناسب مع فكرة الأمر بين الأمرين ما نكرّره في الصلاة «بحول اللّه و قوته أقوم و أقعد»، حيث يدل بوضوح على أن الذي يقوم و يقعد هو الإنسان نفسه و لكن بحول اللّه و قوته.
و جاء في الرواية عن البزنطي: قلت للرضا عليه السّلام: إن أصحابنا بعضهم يقول بالجبر، و بعضهم يقول بالاستطاعة، فقال لي: «اكتب قال اللّه تبارك و تعالى: يا ابن آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، و بقوتي أدّيت إليّ فرائضي، و بنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعا بصيرا قويّا، ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، و ذلك أني أولى بحسناتك منك، و أنت أولى بسيئاتك مني، و ذلك أني لا أسأل عمّا أفعل و هم يسألون، فقد نظمت لك كل شيء تريد». «٣»
و في الحديث أيضا: كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا ناجى ربه قال:
«اللهم يا رب إنما قويت على معاصيك بنعمك». «٤»
______________________________
(١) الفاتحة: ٤.
(٢) هود: ٨٨.
(٣) بحار الأنوار ٥: ٥٧/ الحديث ١٠٤.
(٤) بحار الأنوار ٥: ٧/ الحديث ٥.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٠
هذه بعض الشواهد في هذا المجال.
و ينبغي الالتفات إلى أن هذه الشواهد لا تدل على أن المقصود من الجملة الشريفة «بل أمر بين أمرين» هو التفسير الثالث و إنما هي تلتئم و تتناسب معه لا أكثر.
ثمّ إنه توجد في القرآن الكريم بعض الآيات التي قد توحي بفكرة الجبر، من قبيل: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، «١» خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، «٢» و لكن في المقابل توجد آيات أخرى تدل بوضوح على نفي الجبر من قبيل: وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، «٣» مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، «٤» إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، «٥» الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، «٦» أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى* وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى* أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى* وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى* وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى* ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى، «٧» إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
______________________________
(١) المدثر: ٣١.
(٢) البقرة: ٧.
(٣) النحل: ١٦.
(٤) السجدة: ٤١.
(٥) الزمر: ٧.
(٦) المؤمن: ١٧.
(٧) النجم: ٣٦- ٤١.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩١
و في مقام الجواب عن هذا التدافع نقول: إن أمكن توجيه الآيات الأولى بشكل تبتعد عن فكرة الجبر فهو و إلّا أمكن أن يقال: إن هذا التدافع شاهد بنفسه على فكرة الأمر بين الأمرين، فمرة ينسب الفعل إلى الإنسان بأحد اللحاظين و أخرى ينسب إلى اللّه سبحانه باللحاظ الآخر.
فمثلا الآية الأولى نسبت الاضلال و الهداية إلى اللّه سبحانه باعتبار أنه وفّر أسباب الهداية و الضلال و هكذا في الآية الثانية نسب الختم إليه باعتبار أنه وفّر أسباب ذلك بينما الآيات الأخرى نسبت الفعل إلى الإنسان باعتبار أنه الصادر منه بالمباشرة.
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٢
قوله قدّس سرّه:
«وهم و دفع ...، إلى قوله: الفصل الثاني». «١»
توهّم و جواب:
ذكر قدّس سرّه في هذا الموضع توهّما و جوابا.
أما التوهم فحاصله أنه تقدم منه قدّس سرّه فيما سبق مطلبان:
١- إن الطلب عين الإرادة.
٢- إن معنى الإرادة هو العلم بالمصلحة، غايته في الإرادة التكوينية تكون عبارة عن العلم بالمصلحة في وجود العالم بهذا النظام الكامل، و في الإرادة التشريعية تكون عبارة عن العلم بالمصلحة في فعل العبد من صلاة و صوم و نحوهما.
و لازم هاتين المقدمتين أن يكون انشاء الطلب في مثل جملة:
(أَقِيمُوا الصَّلاةَ) إنشاء للإرادة، و بالتالي إنشاء للعلم بالمصلحة- لفرض أن الطلب عين الإرادة، و هي عين العلم بالمصلحة- و هذا واضح الوهن.
هذا حاصل الوهم.
و أجاب قدّس سرّه عن ذلك بأن الإرادة و إن كانت عين العلم بالمصلحة إلّا أن العينية ليست على مستوى المفهوم- فإن مفهوم الإرادة يغاير مفهوم العلم بالمصلحة و ليس هما مترادفين- و إنما هي على مستوى
______________________________
(١) الدرس ٦٧: (٢١/ محرم الحرام/ ١٤٢٥ ه).
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٣
الخارج و المصداق، فالإرادة خارجا هي عين العلم بالمصلحة- لا أنها عينه مفهوما- و هذا مطلب صحيح و يلزم الالتزام به، لا في الإرادة فقط بل في جميع صفاته عزّ و جل، فانها إذا لم تكن متحدة خارجا يلزم محذور تعدد القدماء، و لأجل الفرار من هذا المحذور يلزم الالتزام بالاتحاد خارجا.
و إلى هذا المعنى يشير أمير المؤمنين عليه السّلام في الخطبة الأولى من نهج البلاغة: «و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه»، فإنه ليس المقصود نفي الصفات رأسا، بل نفي الصفات الزائدة على الذات، و إلّا يلزم محذور تعدد القدماء.
و بالجملة: إن العينية المدعاة ليست على مستوى المفهوم ليلزم المحذور بل على مستوى الخارج، و معه فلا محذور، لأن المنشأ بالصيغة هو مفهوم الطلب و الإرادة الذي هو يغاير مفهوم العلم بالمصلحة.
***
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٥
الفصل الثاني: صيغة الأمر
١- معاني الصيغة.
٢- وضع الصيغة للوجوب.
٣- البحث عن الجملة الخبرية.
٤- مناشئ أخرى لظهور الصيغة في الوجوب.
٥- مبحث التعبدي و التوصلي.
٦- الشكّ في أشكال الوجوب الثلاثة.
٧- الأمر عقيب الحظر.
٨- مبحث المرة و التكرار.
٩- الامتثال بعد الامتثال.
١٠- مبحث الفور و التراخي.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٧
قوله قدّس سرّه:
«الفصل الثاني ...، إلى قوله: المبحث الثاني».
الفصل الثاني: ذكرنا فيما سبق أن المقصد الأوّل مركب من عدة فصول، و الفصل الأوّل كان يتكفل البحث عن مادة الأمر، و في هذا الفصل الثاني يراد البحث عن صيغة الأمر، أي صيغة افعل و ما شاكلها من الصيغ الدالة على الوجوب.
النقطة الأولى: معاني الصيغة:
و البحث عن ذلك يقع ضمن مباحث.
و في المبحث الأوّل تعرّض إلى معنى صيغة الأمر.
و في هذا المجال أشار قدّس سرّه إلى أن علماء المعاني و البيان ذكروا لصيغة الأمر عدة معان، من قبيل: «١»
١- التمني و الترجي، من قبيل: ألا أيها الليل الطويل ألا انجل.
و الفرق بين هذين أن الشيء إذا كان بالإمكان تحققه فالمورد مورد الترجي و إلّا فهو مورد التمني، و في المثال المذكور إذا فرض أن انجلاء الليل أمر ممكن فالمثال يكون من أمثلة الترجي و إلّا يكون من أمثلة التمني.
______________________________
(١) كان من المناسب ذكر الطلب كمعنى أوّل من معاني الصيغة.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٨
٢- التهديد، من قبيل: افعل ما شئت.
٣- الانذار، من قبيل: تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. «١»
٤- الاهانة، من قبيل: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ. «٢»
٥- الاحتقار، من قبيل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ. «٣»
٦- التعجيز، من قبيل: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. «٤»
٧- التسخير، «٥» من قبيل: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. «٦»
إلى غير ذلك من المعاني التي ذكروها.
هذا ما ذكره علماء المعاني و البيان.
و يعلّق قدّس سرّه على ذلك بأن بالإمكان أن يدّعى أن الصيغة قد استعملت في معنى واحد لا أكثر، و هو انشاء الطلب لا غير، غايته أن الداعي لذلك مختلف، فتارة يكون الداعي هو التحريك و الطلب الحقيقي، و أخرى هو التمني، و ثالثة الترجي، و هكذا، و لكنه حصل عندهم خلط بين المعاني و الدواعي، فما ذكروه بعنوان المعاني هي دواع حقيقة و ليست معان.
أجل يمكن أن تدّعى هذه الدعوى، و هي أن الصيغة موضوعة لانشاء الطلب فيما إذا كان الداعي هو التحريك و الطلب الحقيقي و يكون
______________________________
(١) هود: ٦٥.
(٢) يونس: ٨٠.
(٣) الدخان: ٤٩.
(٤) البقرة: ٢٣.
(٥) لا يبعد أن يكون المقصود من التسخير تحويل الشيء من حقيقة إلى حقيقة أخرى.
(٦) البقرة: ٦٥.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٤٩٩
استعمالها آنذاك حقيقيا، و أما إذا استعملت في انشاء الطلب لأحد الدواعي الأخرى فيكون الاستعمال مجازيا.
ثمّ ذكر قدّس سرّه بعد ذلك أن كل ما ذكرناه في صيغة الأمر يأتي في بقية الصيغ الانشائية، فمثلا ذكر علماء المعاني و البيان لصيغة الاستفهام عدة معان، من قبيل:
١- اظهار المحبة، كقوله تعالى خطابا لموسى عليه السّلام: وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى، «١» فإن اللّه سبحانه كان يعلم ما بيد موسى و لكنه من باب اظهار المحبة أخذ بالتساؤل عن ذلك.
٢- الانكار، كقوله تعالى: أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ. «٢»
٣- التقرير، كقوله تعالى: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. «٣»
و هكذا ذكروا لصيغة التمني و الترجي و غيرهما عدة معان، و قد تخيّلوا أنه إذا لم تكن هذه معان لصيغة الاستفهام و نحوها و كان المعنى منحصرا بالاستفهام الحقيقي و التمني الحقيقي و الترجي الحقيقي فيلزم الجهل على اللّه سبحانه أو عجزه فيما لو كانت الصيغة مستعملة في كلامه عزّ و جل، فإن الاستفهام وليد الجهل، و التمني و الترجي وليدا العجز، إذ العالم بالشيء لا يستفهم عنه، و القادر لا يتمنى و لا يرجو.
هذا ما تخيّلوه.
و لكن الصحيح أن صيغة الاستفهام لم تستعمل إلّا في معنى
______________________________
(١) طه: ١٧.
(٢) الإسراء: ٤٠.
(٣) الشرح: ١.
كفاية الأصول في اسلوبها الثانى، ج١، ص: ٥٠٠
واحد، و هو انشاء الاستفهام، غايته الداعي إليه يكون مختلفا، فتارة يكون الداعي هو الاستفهام الحقيقي و أخرى غيره.
و لا يلزم من ذلك محذور الجهل أو عدم القدرة على اللّه سبحانه، فإنهما يلزمان لو كانت الصيغة مستعملة في الاستفهام الحقيقي أو في التمني و الترجي الحقيقي دون ما لو كانت مستعملة في الاستفهام الانشائي و نحوه.
توضيح المتن:
بناء على أن تكون: أي أصل الإرادة.
لكنك غفلت: هذا دفع الوهم.
و لا غرو: أي و لا محذور.
عينا و خارجا: العطف بينهما تفسيري.
لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة: أي أن محلها هو الذات المقدسة، فلو لم يبن على الاتحاد يلزم تعدد القدماء و تركب الذات المقدسة.
نفي الصفات عنه: أي الزائدة على الذات المقدسة.
و هذا كما ترى: أي أنه باطل.
ما استعملت: أي لم تستعمل.
بعثا حقيقة: أي لأجل البعث و التحريك يكون انشاء الطلب آنذاك حقيقيا، و يكون انشاء الطلب بها لأجل التهديد مجازا.
و هذا غير كونها ...: أي كون الداعي هو التهديد و نحوه لا يلازم استعمالها في التهديد و نحوه.
ايقاظ: كلمة ايقاظ و تنبيه و نحوهما تستعمل في المطلب المرتبط بالسابق، و هنا كذلك.
ايروانى، باقر، كفاية الأصول في أسلوبها الثاني، ٥جلد، بقية العترة - ايران - قم، چاپ: ١، ١٤٢٩ ه.ق.