كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٩٧ - ب - الدعاء المأثور عن الإمام الحسين عليه السلام
أنشَأتَني، ومِن قَبلِ ذلِكَ رَؤُفتَ بي بِجَميلِ صُنعِكَ وسَوابِغِ نِعمَتِكَ؛ فَابتَدَعتَ خَلقي مِن مَنِيٍّ يُمنى، ثُمَّ أسكَنتَني في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَينَ لَحمٍ وجِلدٍ ودَمٍ، لَم تُشَهِّرني بِخَلقي[١]، ولَم تَجعَل إلَيَّ شَيئاً مِن أمري.
ثُمَّ أخرَجتَني إلَى الدُّنيا تامّاً سَوِيّاً، وحَفِظتَني فِي المَهدِ طِفلًا صَبِيّاً، ورَزَقتَني مِنَ الغِذاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وعَطَفتَ عَلَيَّ قُلوبَ الحَواضِنِ، وكَفَّلتَنِي الامَّهاتِ الرَّحائِمَ، وكَلَأتَني[٢] مِن طَوارِقِ الجانِّ، وسَلَّمتَني مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ، فَتَعالَيتَ يا رَحيمُ يا رَحمنُ.
حَتّى إذَا استَهلَلتُ ناطِقاً بِالكَلامِ، أتمَمتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الإِنعامِ، فَرَبَّيتَني زائِداً في كُلِّ عامٍ، حَتّى إذا كَمُلَت فِطرَتي، وَاعتَدَلَت سَريرَتي، أوجَبتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَن ألهَمتَني مَعرِفَتَكَ، ورَوَّعتَني بِعَجائِبِ فِطرَتِكَ، وأَنطَقتَني لِما ذَرَأتَ في سَمائِكَ وأَرضِكَ مِن بَدائِعِ خَلقِكَ، ونَبَّهتَني لِذِكرِكَ وشُكرِكَ وواجِبِ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ، وفَهَّمتَني ما جاءَت بِهِ رُسُلُكَ، ويَسَّرتَ لي تَقَبُّلَ مَرضاتِكَ، ومَنَنتَ عَلَيَّ في جَميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ ولُطفِكَ.
ثُمَّ إذ خَلَقتَني مِن حُرِّ[٣] الثَّرى، لَم تَرضَ لي يا إلهي بِنِعمَةٍ دونَ اخرى، ورَزَقتَني مِن أنواعِ المَعاشِ وصُنوفِ الرِّياشِ بِمَنِّكَ العَظيمِ عَلَيَّ، وإحسانِكَ القَديمِ إلَيَّ، حَتّى إذا أتمَمتَ عَلَيَّ جَميعَ النِّعَمِ، وصَرَفتَ عَنّي كُلَّ النِّقَمِ، لَم يَمنَعكَ جَهلي وجُرأَتي عَلَيكَ أن دَلَلتَني عَلى ما يُقَرِّبُني إلَيكَ، ووَفَّقتَني لِما يُزلِفُني لَدَيكَ، فَإِن دَعَوتُكَ أجَبتَني، وإن سَأَلتُكَ أعطَيتَني، وإن أطَعتُكَ شَكَرتَني، وإن شَكَرتُكَ زِدتَني، كُلُّ ذلِكَ إكمالًا لِأَنعُمِكَ عَلَيَّ، وإحسانِكَ إلَيَّ.
[١]. قال العلامة المجلسي: لم تشهّرني بخلقي؛ أي لم تجعل تلك الحالات الخسيسة ظاهرة للخلق في ابتداءخلقي لأصير محقّراً مهيناً عندهم، بل سترت تلك الأحوال عنهم، وأخرجتني بعد اعتدال صورتي وخروجي عن تلك الاصول الدّنية( بحار الأنوار: ج ٦٠ ص ٣٧٣). هذا وفي البلد الأمين:« لَم تُشهِدني خلقي».
[٢]. كَلأهُ: حرسه( القاموس المحيط: ج ١ ص ٢٦« كلأ»).
[٣]. الحُرّ من الطين والرَّمل: الطيّب. وحرّ كلّ أرضٍ: وسطها وأطيبها( تاج العروس: ج ٦ ص ٢٦١« حرر»).