مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٤٢ - كتاب الجعالة
لكن لم يتضح الوجه في ذلك- كما نبّه له غير واحد- خصوصاً بعد ابتناء الجعالة على الغرر، لاتفاقهم- كما سبق- على عدم قدح الجهالة في العمل. كما لا يقدح احتمال تعذره.
وقد استدل عليه في التذكرة بوجوه لا مجال لإطالة الكلام فيها، لأنها لا تخرج عن الاستحسان الذي لا ينهض بالحجية. بل هو لا يناسب قوله بعد ذلك: «ولو قال: من ردّ عبدي فله نصفه أو ربعه فالأقوى الجواز للأصل»، مع وضوح أنه كثيراً ما تكون قيمة العبد مجهولة.
ومثله ما في القواعد والتحرير من أنه لو قيل بجواز الجهالة إذا لم تمنع من التسليم كان حسناً، مع التمثيل له بما إذا كان الجعل جزءاً من موضوع العمل، نظير ما تقدم من التذكرة، وقواه في جامع المقاصد، ثم قال: «وعلى هذا فيصح جعل صبرة معينة من الطعام وإن لم يعلم قدرها».
بل أطلق في الدروس عدم اعتبار العلم في الجعالة. لكنه قال بعد ذلك في فروع العوض: «ولو كان مجهولًا فأجرة المثل قولًا واحداً». وصرح في اللمعة بأن جهالة العوض لا تبطل الجعالة، بل تقتضي ثبوت أجرة المثل، بينما جعل في المبسوط ثبوت أجرة المثل حينئذٍ بسبب بطلان الجعالة، كما هو مبناهم في سائر المعاوضات. ومن هنا كانت كلماتهم في غاية الاضطراب اختياراً ودليلًا.
وكيف كان فالظاهر عدم اعتبار العلم بالعوض إذا كان معيناً في الواقع. عملًا بالمرتكزات العقلائية من دون أن يكون في البين ما يخرج عنها. وأما عموم النهي عن الغرر فقد تكرر منّا غير مرة عدم ثبوته. ولو فرض ثبوته فلابد من قصره على المعاوضات المبنية على تبادل الملكيتين، دون مثل الجعالة مما يرجع إلى ضمان العمل بعد وقوعه من دون إلزام بالعمل نفسه، فإنه نظير العمل برجاء كسب المال، كالصيد والغوص والبحث عن المعادن والأموال المدفونة في الخرائب ونحوها. ومنه الأمر بالعمل من دون تعيين لأجره اتكالًا على أجرة المثل التي كثيراً ما لا تعلم إلا بعد العمل.