مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٠٧ - كتاب المزارعة والمساقاة
حيث لا يجب على الغارس حينئذٍ إلا الغرس بالنحو المذكور، وهو عمل محدود يتسامح في جهالته عرفاً. ولو فرض مانعيتها من صحة العقد أمكن التخلص منها بتحديد العمل بمدة يقطع باستحكام الغرس فيها.
الثالث: جهالة المنفعة التي يبذلها مالك الأرض فيما إذا لم تبتن المعاملة على مشاركته في الأرض.
وفيه: أن المنفعة التي يستحقها الغارس في الأرض هي التي يقتضيها غرس الأشجار فقط، أو مع خدمتها مادامت باقية، وهي محدودة يتسامح في جهالتها عرفاً، ولا دليل على مانعيتها، كما لو اشترى نصف شجر البستان مشاعاً.
ومن هنا لا ينبغي الإشكال في نهوض العمومات بإثبات صحة العقد المذكور.
نعم قد يدعى لزوم الخروج عنه بالإجماع، كما يظهر من بعضهم. قال في الجواهر: «وما عساه يظهر من بعض النصوص محمول على وقوع ذلك بعقد صلح أو إجارة جامعة للشرائط، لا على مشروعية هذا العقد على نحو عقد المزارعة، فإن الإجماع بقسميه على بطلانه». ولم يتضح مراده بالنصوص المذكورة. إلا أن يكون نظره إلى إطلاق نصوص المزارعة، بدعوى شموله لزرع الأشجار والأصول الثابتة.
لكن من القريب انصرافها إلى ما هو الشائع من زرع ما لا ثبات له، بل ينتهي بانتهاء مواسمه السنوية. ولا أقل من كون ذلك هو المتيقن من معنى المزارعة عرفاً.
وأما الإجماع فمن القريب حصوله، فإنه وإن لم أعثر عاجلًا على من تعرض للحكم المذكور قبل المحقق في الشرائع، إلا أنه المناسب لكلماتهم في المزارعة والمساقاة من اقتصارهم على المتيقن منها بنظرهم، والبناء على بطلان ما عداه.
نعم استشكل سيدنا المصنف (قدس سره) في التعويل عليه. قال: «لم يتضح أن مراد القائلين بالبطلان هو البطلان مطلقاً، بل من الجائز أن يكون مراد بعضهم- بل أكثرهم- البطلان بعنوان المساقاة، فلا تجري أحكامها، لا البطلان تعبداً مطلقاً».