مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٠٤ - كتاب الوديعة
ويظهر من تقريرنا لدرسه (قدس سره) أن المنشأ لذلك اختصاص أصالة الاحترام الارتكازية بالإتلاف، وأنه إذا كان المدعى للمتلف تسليط المالك على إتلاف المال مجاناً، دفعاً للضمان عن نفسه، لم يقبل قوله، بخلاف ما إذا كان المدعى له لدفع الضمان هو الاستئمان المبني على احترامه للمال، وإنما لا يضمنه إذا لم يكن تلفه بسببه.
وهو يقصر عن صورة الاختلاف بين البيع والهبة. لعدم ابتناء الهبة على تسليط المالك على إتلاف المال، بل رفع اليد عن مالية المال بتمليكه مجاناً.
وكيف كان فما ذكره (قدس سره) من الفرق غير ظاهر، بل الظاهر عموم الجهة الارتكازية للجميع، فإن الاستئمان يبتني على إسقاط المالك حرمة ماله بلحاظ ضمان اليد في حق الأمين، وإن لم يسقطها بلحاظ ضمان الإتلاف. كما أن الهبة تقتضي هدر حرمة المال بتمليكه مجاناً. فلاحظ.
بقي شيء. وهو أن قاعدة الاحترام بالمعنى المتقدم لو تمت فهي إنما تدفع دعوى آخذ المال في عدم الضمان، من خصوصية الثمن والأجرة وغيرهما، بل مقتضى قاعدة الاحترام الضمان بالمثل لا غير. فإن كان الضمان المدعى للمالك هو الضمان بالمثل فلا إشكال، كما في دعواه القرض في مقابل دعوى الوديعة أو دعوى المضاربة. وإن كان المدعى له هو الضمان بوجه آخر، كالثمن والأجر المسميين في مقابل دعوى الهبة والعارية، تعين الاقتصار على قيمة المثل أو أجرة المثل إلا أن تزيد على ما يدعيه المالك، فيقتصر على ما يدعيه، لاعترافه بعدم استحقاقه لما زاد عليه.
ودعوى: أنه يعلم بعدم استحقاق خصوص المثل، لعدم تحقق سببه، وإنما يتردد الأمر بين عدم الاستحقاق أصلًا واستحقاق المسمى بخصوصيته.
مدفوعة بأن الحكم بالمثل لا يبتني على الحكم باستحقاقه بخصوصيته، بل على كونه المقدار الممكن إثباته بقاعدة الاحترام من مدعى المالك- بعد عدم المثبت لتمام ما يدعيه- وإن أمكن ثبوت تمام ما يدعيه واقعاً من دون حجة على إثباته. نظير ما إذا ادعى زيد إقراض عمرو مائة دينار، وأقام بينة على إقرار عمرو بانشغال ذمته لزيد