مصباح المنهاج / المزارعة و المساقاة - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٥٢ - كتاب الجعالة
العمل (١)،
مقتضى الأصل بعد ما سبق من عدم عموم يقتضي النفوذ، ليكون مقتضى إطلاقه اللزوم، مع ما هو المعلوم من عدم اقتضاء الجعالة ملكية الجعل ولا العمل بمجرد إنشائها، ليكون مقتضى الاستصحاب بقاء ملكيته بعد الرجوع عنها.
وأما ما سبق منّا من أن نفوذ الجعالة مقتضى عموم نفوذ الشروط فبناء العقلاء على عدم لزوم الجعالة يرجع إلى أن مثل هذا الشرط إنما ينفذ مادام جاعله مصراً عليه إلى حين العمل، دون ما إذا عدل عنه قبل العمل. وحيث لم يكن نفوذ الشروط ولزومها تعبدياً محضاً، بل هو جارٍ على مقتضى المرتكزات العقلائية تعين حمله في المقام على ذلك.
وقال في التذكرة: «لأن الجعالة تشبه الوصية من حيث إنها تعليق استحقاق بشرط، والرجوع عن الوصية جائز، وكذا ما يشبهها». وهو- كما ترى- بالقياس أشبه ويستغنى عنه بما سبق. ثم إن المذكور في كلماتهم أنها جائزة من الطرفين. وكأنه يبتني على كونها عندهم من العقود، كما سبق وسبق ضعفه. وربما يأتي تمام الكلام في ذلك.
(١) وهو المتيقن من الإجماع الذي سبق منهم. لكنه لا يخلو عن إشكال فيما إذا لزم من الرجوع الإضرار بالعامل، كما إذا تحمل مؤنة الإعداد للعمل، بحيث يكون الرجوع عن الجعالة مفوتاً عليه المؤنة المذكورة. ومنه ما إذا كان لاختيار أصحاب العمل العمال وقت خاص فلم يرجع الجاعل إلا بعد أن فات وقت الاختيار على العامل بحيث يتعطل عن العمل ويفوت عليه الكسب.
اللهم إلا أن يقال: مع التفات الطرفين معاً لذلك يرجع الجعل من الجاعل وتهيئة المقدمات من العامل إلى الاتفاق بينهما على التزام الجاعل بالجعل للعامل مهما أراد العمل بحيث لا يرجع عنه، ثم قبول العامل بذلك عند الشروع في المقدمات. وهو نحو من العقد المعاطاتي يجب على الجاعل الوفاء به، وإن كان للعامل العدول