إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٩٩ - مستدرك مما ورد أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان أفرض أهل المدينة و أقضاها
و قال الدكتور محمد مصطفى امبابي أستاذ الفقه المقارن بجامعة مصر في «الجديد في تاريخ الفقه الإسلامي» (ص ١٠٧ ط دار المنار- القاهرة):
و قد كانت براعة علي في القضاء أمنية تمناها الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و حققها اللّه سبحانه و تعالى له،
فقد قال علي: لما بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إلى اليمن قلت له: يا رسول اللّه، بعثتني و أنا شاب أقضى بينهم، و لا أدرى ما القضاء، فضرب الرسول صدري بيده ثم قال: اللهم اهد قلبه، و ثبت لسانه، فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين.
و قد استطاع علي كرم اللّه وجهه أن يجمع بين سلاحي الفقيه الناجح: العقل و النص، فضم إلى فطنته و براعته كثيرا من حديث الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و لذلك كان من رؤساء المفتين في عصره. و يبدو أن إكثاره من أحاديث كان راجعا إلى أمرين: حب علي للتلقي عن رسول اللّه و رغبة النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في تفقيه علي، و إنماء حاسته العلمية، و يدل لذلك
أنه سئل يوما، فقيل له: يا علي، مالك أكثر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حديثا؟ فقال: إني كنت إذا سألته أنبأني، و إذا سكت ابتدأني.
و كان المتوقع و علي بهذه الصفة من الفقه و العلم، أن نجد علمه و فقهه على لسان الجمهور من الرواة و الفقهاء، لكن هؤلاء لم ينقلوا عنه إلا القليل، و عن طريق جماعة معينة من الناس. و مع أن ابن القيم جعل عليا من المكثرين في الفتوى إلا أنه أسقطه من عداد الناشرين للفقه، و اقتصر على أربعة فقط، هم: عبد اللّه بن مسعود، و زيد بن ثابت، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن عباس، و علل مسلكه بقوله: قاتل اللّه الشيعة، فإنهم أفسدوا كثيرا من علمه بالكذب عليه، و لهذا تجد أصحاب الحديث من أهل الصحيح لا يعتمدون من حديثه فتواه إلا ما كان عن طريق أهل بيته، و أصحاب عبد اللّه ابن مسعود، و لكن بعض الباحثين لم يرتض هذا التعليل من ابن القيم، و أرجع قلة المروي عن علي إلى محاربة الحكم الأموي لكل آثاره العلمية، حتى يضمحل شأنه، و لا يشيع بين الناس ذكره
.