إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٨ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
فلا مزامير البادية، و لا أغاني السمار شبع منها سمع الطفل، و وجدان الشاب. لكأن المقادير كانت تدّخر سمعه و وجدانه، لكلمات أخرى ستغير وجه الأرض، و وجه الحياة. أجل لقد أدخر سمع الفتى و قلبه، ليتلقى بهما كما لم يتلق أحد مثله آيات اللّه العلي الكبير. أرأيتم الآيات التي سمعناها من قبل؟
فلنتصور عليا و هو يسمعها طازجة مشرقة متألقة حديثة العهد بربها، يرتلها رسول رب العالمين. و لكن لا فلن نستطيع أن نتصور، أو حتى تخيّل. و حسبنا و نحن نطالع هذه الحياة أن نقدر على متابعة الكلمات التي تروي أنباءها و عجائبها.
في نور هذه الآيات المنزلة، و التي كان الوحي يجيء بها تباعا، قضى علي بن أبي طالب بواكير حياته النضرة، يبهره نورها و يهزه هديرها. يسمع آية الجنّة يتلوها الرسول، فكأنما الغلام الرشيد يراها رأي العين، حتى ليكاد يبسط يمينه ليقطف من مباهجها و أعنابها. و يسمع آية النار، فيرتعد كالعصفور دهمه إعصار، و لو لا جلال الصلاة و حرمتها لولّى هاربا من لفح النار الذي يكاد يحسّه و يراه.
أما إذا سمع آية تصف اللّه في عظمته، و جلاله، أو آية تعاتب الناس على إشراكهم باللّه ما ليس لهم به علم، و جحودهم فضله و نعمته فعندئذ يتحول الغلام الراشد إلى ذوب تقى و حياء.
لقد أشرب قلبه جمال القرآن و جلاله و أسراره، هذا الذي كان يشهد نزوله آية آية حتى صار جديرا
بأن يقول و هو صادق: سلوني و سلوني و سلوني عن كتاب اللّه ما شئتم .. فو اللّه ما من آية من آياته إلا و أنا أعلم أنزلت في ليل أم في نهار.
و حتى كان كما وصفه الحسن البصري رضي اللّه عنه: أعطي القرآن عزائمه و علمه و عمله، فكان منه في رياض مونقة و أعلام بينة. هذا هو علي بن أبي طالب. هذا هو الذي نرجو ألا نكون مغالين إذ وصفناه بأنه: ربيب الوحي. فطوال السنوات الأولى لنزول الوحي، كان فتانا هناك، يشهد نزوله، و يسبق غيره في تلقيه من رسول رب العالمين. و يلقى سمعه، و قلبه لأسراره و أنواره.
و لطالما شهدته شعاب مكة، و هو ثاني اثنين الرسول عليه السلام، و علي كرم اللّه