إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٤٧٣ - طلحة و الزبير يكاتبان عظماء البصرة
عما في قلبه، و إني و اللّه ما كل أجد في قلبي يعبر عنه لساني، و سأجهد و باللّه التوفيق، أما أنا فسأنصح لك في السر و العلانية، و أقاتل عدوك في كل موطن، و أرى لك من الحق مالا أراه لأحد من أهل زمانك لفضلك و قرابتك.
فقال علي: رحمك اللّه قد أدى لسانك عما يجنّ ضميرك.
و سرح رضي اللّه عنه من الربذة إلى الكوفة محمد بن أبي بكر و محمد بن جعفر و كتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار و فزعت إليكم لما حدث فكونوا لدين اللّه أعوانا و أنصارا، و أيدونا و انهضوا إلينا، فالإصلاح ما نريد لتعود الأمة إخوانا، و من أحب ذلك و آثره فقد أحب الحق و آثره، و من أبغض ذلك فقد أبغض الحق و غمصه.
فمضى الرجلان و بقي علي بالربذة يتهيأ و أرسل إلى المدينة فلحقه ما أراد من دابة و سلاح و أمر أمره و قام في الناس و خطبهم.
خطبة علي بالربذة:
إنّ اللّه عز و جل أعزّنا بالإسلام و رفعنا به و جعلنا به إخوانا بعد ذلة و قلة و تباغض و تباعد. فجرى الناس على ذلك ما شاء اللّه. الإسلام دينهم، و الحق فيهم، و الكتاب إمامهم حتى أصيب هذا الرجل (عثمان) بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة. إلا أن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلهم. فنعوذ باللّه من شر ما هو كائن أن يكون. ألا و إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، شرها فرقة تنتحلني و لا تعمل بعملي، فقد أدركتم و رأيتم فالزموا دينكم و اهدوا بهدى نبيكم صلّى اللّه عليه و سلم، و اتبعوا سنته، و اعرضوا ما أشكل عليكم على القرآن، فما عرفه القرآن فالزموه، و ما أنكره فردوه، و ارضوا باللّه جل و عز ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم نبيا، و بالقرآن حكما و إماما.
إن عليّا رضي اللّه عنه كان من فحول العلماء و خطيبا مفوّها و قد توقع افتراق الأمة على ثلاث و سبعين فرقة، و حض المسلمين على التمسك بالكتاب و السنة.