إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٤٩ - مستدرك ما ورد في زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و عدله و سماحته و إنفاقه في سبيل الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عن نفسه و عن الأئمة من أولاده عليهم السلام و الصحابة و التابعين و علماء العامة
دائما يردد في نفسه ما لم يخفه عن أحبابه: من طلب الجنة سارع إلى الطاعات، و من أشفق من النار، رجع عن المحرمات، و من زهد في الدنيا هانت عليه مصائبها.
و تأبى نفسه الكريمة إلا أن تلتحف بأديم الأرض و تؤثر خبزا غير مأدوم، متحففة من زاد الدنيا ضاربة بها عرض الحائط لا تلوي على شيء فيها، متزودة للآخرة متأهبة للرحيل، منتظرة لقاء الحق أية لحظة، لأن جوار الكريم ضالة منشودة، و نهاية محمودة ينشرح لها صدور المؤمنين المتقين. كان أحب الأسماء إليه أبو تراب الذي أسماه إياه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
و
قد أبى أن ينزل قصر الإمارة بالكوفة و هو أمير، ثم آثر عليه الأرض الخلاء العراء البراح و قال: قصر الخبال لا أنزله أبدا.
ليس هذا فحسب
إنما يلتذ من خشن الملبس، قائلا في نفسه: إن الزهد يصرف عنه، و يساعده على الخشوع في الصلاة. إن الذي يركن إلى الدنيا مثله كمثل من يركن إلى جدار متصدع منهار، قال تعالى في كتابه الكريم:وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوىوَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*.
و الترف و اللهو مطمع النفوس الدنيئة التي ترغب العاجلة، و لا تلقي بالا للآجلة، هذا هو عين الضيق الفكري و العقلي معا.
و قال الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني المصري في «المدخل إلى التصوف» (ص ٥٣ ط دار الثقافة بالقاهرة): و كان علي مثلا بارزا في الزهد و التقشف و الدعوة إليهما، فقال لعمر بن الخطاب:
إذا أردت أن تلقى صاحبك، فارقع قميصك، و اخصف نعلك، و قصر أملك، و كل دون الشبع.
و قد قال عنه ابن عيينة: إنه كان أزهد الصحابة، و شهد له الإمام الشافعي بأنه كان عظيما في الزهد.