إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١٥ - مستدرك ما ورد في زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و عدله و سماحته و إنفاقه في سبيل الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و عن نفسه و عن الأئمة من أولاده عليهم السلام و الصحابة و التابعين و علماء العامة
البدن، و أفضل من صحة البدن تقوى القلب. و من طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها، و من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى رزقه منها.
و ألح عليه بعض أصحابه أن يأكل ما طاب ليقوى على القتال فهو لا يأكل إلا رغيفين من خبز الشعير كل يوم، و أن يكون أحسن الناس مظهرا فهو أمير المؤمنين و إمامهم
. فقال: إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القز، و لكن هيهات أن يغلبني هواى، و يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، و لعل بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص (الرغيف) و لا عهد له بالشبع أو أبيت مبطانا (ممتلئ البطن) و حولي بطون غرثى (خالية) و أكباد حرى، أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها و ما خلقت لأترك سدى، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة، و كأنى بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران و منازله الشجعان، ألا و إن الشجرة البرية أصلب عودا، و الروائع الخضرة أرقّ جلودا، و النباتات البدوية أقوى و قودا و أقل خمودا. و أنا من رسول اللّه كالصنو من الصنو، و الذراع من العضد، و قد كان رسول اللّه يأكل أخشن مما آكل و يلبس أخشن مما ألبس، و أنا على سنته حتى ألحق به.
ألا و إن لكل إمام مأموما يقتدي به و يستضيء بنور علمه، ألا و إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (إزار و رداء)، و من طعامه بقرصيه (رغيفيه). ألا و إنكم لا تقدرون على ذلك و لا أطالبكم به، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفة و سداد، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادخرت من غنائمها وفرا، و لا حزت من أرضها شبرا.
بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس قوم آخرين، و نعم الحكم اللّه و ما أصنع بفدك و غير فدك. إليك عنى يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، و أفلت من حبائلك أغربي عني، فو اللّه