إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٥١ - و من أقضيته عليه السلام
ذلك أن العرب لم تكن تعرف هذا اللون الفاحش من الشذوذ في إرواء الشهوات الحيوانية، حتى أنهم لم يضعوا له كلمة تعبر عنه في لغتهم العربية الشريفة كما وضعوا للمفاحشة بين الرجل و المرأة كلمة الزنا، و للمفاحشة بين المرأة و المرأة كلمة إسحاق، فإذا ما أرادوا التعبير عن المفاحشة بين الذكور، استخدموا كلمة اللواط يأخذونها عن قوم لوط عليه السلام، و قد كانوا لعنهم اللّه أول الذين ابتكروا هذه الفاحشة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين.
فلما هدأت العاصفة في صدر الإمام كرم اللّه وجهه، توجه بالحديث إلى ذلك الذي جاء إليه راجيا أن يطهره، فقال له: يا هذا عد إلى منزلك فلعل سوء مزاجك هاج بك فأوقعك في هذا البلاء المبين. و لم يسع الرجل إلا أن يصدع بأمر أمير المؤمنين فرجع إلى منزله كما أمر، و لكنه ما لبث أن عاد إلى ما قد اقترفه من قبل فجاء إلى أمير المؤمنين يطلب إليه أن يطهره، فقال له كرم اللّه وجهه: يا هذا إن تطهيرك مما قارفته يقتضي أحد أمور ثلاثة: أن يضرب عنقك بالسيف ضربة بالغة ما بلغت، أو أن تقذف من شاهق جبل مشدود اليدين و الرجلين، أو أن تحرق بالنار. فاختر أيهن شئت.
و لم يشأ الرجل أن يختار حتى أقبل علي أمير المؤمنين يسأله: أي الثلاثة أبلغ أذى و أشد إيلاما يا أمير المؤمنين؟ فأجابه كرم اللّه وجهه: الحرق بالنار هو الأبلغ الأشد. فقال الرجل: فإني قد أخذت هذا على ما سواه فطهرني به رضي اللّه عنك.
فأجابه أمير المؤمنين: خذ لذلك أهبتك و استعد. و لم تكن أهبة الرجل إلا أن يفزع إلى الصلاة، فقام فصلى ركعتين ثم جلس في تشهده يدعو اللّه تعالى و يقول: اللهم إني قد أتيت من الذنب ما قد علمت، و قد جئت لابن عم نبيك أسأله أن يطهرني فخيرني بين ثلاث شدائد فاخترت أشدها الإحراق بالنار، اللهم إني أسألك أن تجعل ذلك كفارة لذنبي و ألا تحرقني بنار الآخرة. ثم قام يبكي حتى جلس في الحفرة التي حفروها له و هو يرى النار تتأجج، و لم يتمالك أمير المؤمنين أن بكى و بكى معه أصحابه، ثم قال الرجل: يا هذا إنك أبكيت ملائكة اللّه في سمائه و أرضه و إني أرى