إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٥ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
و طهرا.
و كذلك نراه و هو يخطب أصحابه في أول جمعة، بالكوفة، و هو أمير المؤمنين، لا يخطب خطبة خليفة و لا أمير و لا حاكم .. لا يصدر قرارات، و لا يرسم سياسة على كثرة ما كانت الظروف تتطلب من قرارات، و سياسة بل لا يجعل خطابه الأول هذا استجابة لحماس أصحابه و شد زناد الحمية في أنفسهم استعدادا للمعركة التي سيخوضونها مع جيش الشام المقاتل، المدرّب، الصعب المراس. لا شيء من ذلك كله يضمنه الخليفة و الإمام خطابه. إنما هي الدعوة الخالصة لتقوى اللّه و حسن عبادته و طاعته اسمعوا:
أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإن تقوى اللّه خير ما تواصى به عباده، و أقرب الأعمال لرضوانه، و أفضلها في عواقب الأمور عنده. و بتقوى اللّه أمرتم، و للإحسان خلقتم ... فاحذروا من اللّه ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا.
و اخشوا اللّه خشية ليست بتعذير و اعملوا من غير رياء و لا سمعة، فإن من عمل لغير اللّه و كله اللّه إلى ما عمل و من عمل مخلصا له تولاه اللّه و أعطاه فضل نيته، و أشفقوا من عذاب اللّه فإنه لم يخلقكم عبثا و لم يترك شيئا من أمركم سدى قد سمى آثاركم، و علم أسراركم و أحصى أعمالكم، و كتب آجالكم فلا تغرنكم الدنيا، فإنها غرارة لأهلها، و المغرور من اغتر بها و إن الآخرة لهي دار القرار.
أ هذا خطاب رئيس دولة؟ كلا إنما هو خطاب ناسك. خطاب مسلم و مؤمن وجّه وجهه و قلبه و حياته للذي فطر السموات و الأرض، لا يعنيه إلا أن يحيا في مرضاته تقيا، و أن يحيا الذين من حوله أتقياء، أنقياء.
كذلك نراه و نرى إسلامه الوثيق حين لم يعد، بدّ من لقاء معاوية في معركة صفين يستقبل جيشه ليلة المعركة خطيبا، فلا يعدهم و لا يمنيهم. و لا يرفع أمامهم مباهج الدنيا و نعيمها، ثمنا للنصر إذا هم ظفروا به .. إنما يحدثهم حديثا آخر يختلف عن كل الأحاديث التي تتطلبها أمثال هذه المناسبة. أنظروا ..
ألا إنكم ملاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة قيامكم و صلاتكم و أكثروا تلاوة القرآن، و سلوا اللّه الصبر و العفو و العافية.