إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٤ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
مقت الترف من كل نفسه، و نأى عنه بكل قوته و عزمه. ذلك أنه فهم الإسلام و عاشه، و تعلم منه أن الترف مشغلة الفارغين العاطلين. و الإنسان الذي يعيش مع مسئوليات كبار كتلك التي يفرضها الإسلام الحق على أبنائه الحقيقيين و أهله إنما يكون حظه من الصدق و التوفيق مضاهيا حظه من البساطة و التخشن. و هكذا كان الإمام، و هكذا أراد للناس أن يكونوا.
عند ما قدم مكة من اليمن و رسول اللّه يومئذ يحج بها حجة الوداع، تعجل هو إلى لقاء النبي تاركا جنوده الذين عادوا معه على مشارف مكة بعد أن أمّر عليهم أحدهم.
و بدا لهذا الأمير المستخلف أن يلبس الجند حللا زاهية من تلك التي عادوا بها من اليمن، حتى يدخلوا مكة و هم في زينتهم يسر منظرهم الأعين. و أمرهم، فأخرجوا من أوعيتهم حللا جديدة ارتدوها، و استأنفوا سيرهم إلى مكة. و عاد علي بعد لقاء الرسول، ليصحب جنده القادمين و على أبواب مكة رآهم مقبلين في حللهم الزاهية.
و أسرع نحوهم، و سأل أميرهم: ويلك ما هذا؟ قال: لقد كسوت الجند ليتجملوا إذا قدموا على إخوانهم في مكة. و صاح به علي: ويلك انزع قبل أن تنتهي بهم إلى رسول اللّه. فخلعوا حللهم جميعا، و كظموا في أنفسهم مرارة بما صنع بهم علي الورع، الزاهد، الأواب .. و لما دخلوا مكة، و لقوا الرسول، شكا إليهم بعضهم عليا، و قصوا عليه نبأه معهم. فاستقبل الرسول القوم و قال: أيها الناس لا تشكوا عليا فو اللّه، إنّه لأخشن في سبيل اللّه من أن يشكى.
و هو بإسلامه و في إسلامه لا يتغير طفلا و شابا و شيخا جنديا و قائدا و خليفة للمسلمين .. إن تقوى اللّه تأخذ عليه لبة و هو لا يعامل الناس بذكائه، و لا بحسبه و نسبه.
بل بإخلاصه و تقواه .. ثم هو لا يريد منهم، بل و لا يقبل منهم أن يعاملوه بغير الصدق و التقوى. من أجل هذا سنراه حين يقع الصدام بينه و بين معاوية يؤثر الهزيمة مع الإخلاص و التقوى، على انتصار يتحقق بالمكر و المراوغة. و
يقول له ابن عمه عبد اللّه بن عباس و هو الصالح الورع: خادعهم، فإن الحرب خدعة، فيجيبه الإمام الطاهر: لا و اللّه لا أبيع ديني بدنياهم أبدا.
مسلم عظيم يفجر الدنيا من حواليه ذمة، و استقامة،