فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٦٨ - دراسات فقهية حديثية ــ التقدّم والتأخّر بين الكتاب والسنّة الاُستاذ حيدر حب الله
تقديمٌ للدليل المخصِّص على الدليل المخصَّص ؟ ! وقد أجاب الشاطبي : بأنّ السنّة بيان للقرآن ومراداته ، وهي لا تؤسّس حكماً جديداً (١٨) ، وهذا الكلام يجعلنا نربط بين نظرية الشاطبي في استقلال السنّة النبوية بالتشريع وكلامه في التقدّم الرتبي للقرآن الكريم .
وقد حاول الشيخ محمد الخضري ( ١٣٤٥ هـ ) الولوج أكثر في دعم هذه النقطة عند الشاطبي ، وذلك عندما ذهب إلى أنّ السنّة لمّا كانت بياناً للقرآن نفسه ، فلو شرحتُ لك أوامر الملك فإنّ هذه الأوامر لا تنسب لي وإنّما تنسب للملك نفسه (١٩) ، الأمر الذي يجعلنا نقترب من التفسير الثالث المتقدّم لنظرية التقدّم القرآني .
إذاً ، ربما نكون أمام تداخل نظريّتين ، قد تكون إحداهما هي التي أنتجت الاُخرى عند الشاطبي وأنصاره ؛ فعندما لا تفعل السنّة شيئاً سوى أنّها تشرح القرآن ولا تؤسّس لأمر ، فهذا يعني أنّها في الرتبة التالية للكتاب ، فلا يمكنها أن تعارضه ، بل تسقط إن فعلت ذلك ، ولا يمكن أن تزيد عليه أو ترتفع فوقه ، وإذا حصلنا على الحكم الشرعي من القرآن فأيّ معنى للرجوع إلى السنّة حينئذٍ ؟ ! فما دمنا قد فهمنا كلام الملك في أوامره من لسانه فلماذا نذهب إلى الشرّاح ؟ !
إذا صحّ أنّ الشاطبي أنكر ـ فعلاً ـ السنّة المستقلّة والمؤسّسة ، فإنّ نظرية التقدّم القرآني ستكون نتيجاً يمكن تفهّمه إلى حدّ كبير ، وسيكون مقصود الشاطبي ما قلناه قبل قليل فيما نخمّن ، بصرف النظر عن صحة مقصوده مما سوف نحاكمه قريباً بإذن الله تعالى .
بدورنا عندما ندرس أدلّة الشاطبي هنا ، سنتعالى عن التقيّد بنظريّته في استقلال السنّة وعدم استقلالها بالتشريع ؛ وذلك كي تكون الدراسة أشمل وأوسع وأوفق بالنظريّات المختلفة ، إن شاء الله .
(١٨) المصدر نفسه ٤ : ٣٩٤ ـ ٣٩٥ .
(١٩) الخضري بك ، اُصول الفقه : ٢٨٢ .