فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٦٠ - دراسات فقهية حديثية ــ التقدّم والتأخّر بين الكتاب والسنّة الاُستاذ حيدر حب الله
وتوضيحها لمضمونه ، حتى ظهرت كلمات حسبت عند بعضهم متطرّفة ، مثل كلمات الأخباريّين الشيعة الذين منعوا إمكانية فهم القرآن إلا بالسنّة ، وفي الوسط السنّي تعابير منقولة قد يستثقلها بعضٌ ؛ فهذا الإمام الأوزاعي يقول وينقل عن مكحول قوله : « القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن » ، وينقل عن يحيى بن أبي كثير قوله : « السنّة قاضية على الكتاب ، وليس الكتاب قاضياً على السنّة » (١) ، وهي جملة استثقلها أحمد بن حنبل ( ٢٤١ هـ ) حينما خفّفها بالقول : « السنّة تفسّر الكتاب ، وتعرّف الكتاب ، وتبيّنه » (٢) ، وهو تعبير يوجد ما يشبهه عند غيره كحسّان بن عطية (٣) ؛ من هنا اختلفوا في معنى البيان .
وإلى جانب هذه الموضوعات ، جاء موضوع حجية السنّة المؤسّسة المستقلّة ، فهل يمكن للسنّة أن تستقلّ عن القرآن بأحكام أم لا ؟ وهو الموضوع الذي سبق أن بحثناه في دراسة اُخرى ، حيث كان للشاطبي دور أساس في هذا الملفّ الشائك اليوم . إلى غيرها من الموضوعات التي لن ندرسها في بحثنا هذا ، بل سنبحث قضية اُخرى غلب تداولها في الاجتهاد السنّي أكثر من علوم الاجتهاد الشيعي ؛ إذ قلّما نجد عالماً شيعيّاً يفرد لها بحثاً في علم الكلام ، أو اُصول الفقه ، أو الحديث أو ... (٤) ، وهي قضية تحتوي على لبس وغموض ، وهي مسألة تقدّم الكتاب على السنّة وتأخّر السنّة عن الكتاب ، أو بتعبيرٍ آخر : مرتبة السنّة من الكتاب .
التفكيك المفهومي لمقولة تقدّم الكتاب على السنّة :
هذا العنوان أورث ومايزال ـ كما يشير إلى ذلك السيد محمد تقي الحكيم (٥) ـ الالتباس أو الشبهة من حيث المقصود منه ، فما معنى تقدّم الكتاب على السنّة ؟ وما معنى تقدّم السنّة أو تأخّرها عن الكتاب ؟ مفهوم يمكن أن
(١) اُنظر : الخطيب البغدادي ، الكفاية في علم الرواية : ٣٠ ؛ وابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله ٢ : ١٩١ ؛ والقرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ١ : ٣٩ ؛ وابن قتيبة ، تأويل مختلف الحديث : ١٨٦ ؛ والحاكم النيسابوري ، معرفة علوم الحديث : ٦٥ ؛ والأنصاري الهروي ، ذم الكلام وأهله ٢ : ٥٦ ، ٥٨ ، و ... .
(٢) الكفاية في علم الرواية : ٣٠ ؛ وابن عبد البر ، جامع بيان العلم وفضله ٢ : ١٩١ ـ ١٩٢ ؛ والجامع لأحكام القرآن ١ : ٣٩ .
(٣) الخطيب البغدادي ، الكفاية في علم الرواية : ٣٠ .
(٤) ربما من الذين امتازوا شيعياً بتناول الموضوع باختصار هو العلامة السيد محمد تقي الحكيم ( ١٤٢٤ هـ ) في كتابه المشهور : الاُصول العامة للفقه المقارن .
(٥) محمد تقي الحكيم ، الاُصول العامّة للفقه المقارن : ٢٤٨ .