فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٨٠ - دراسات فقهية حديثية ــ التقدّم والتأخّر بين الكتاب والسنّة الاُستاذ حيدر حب الله
وهذه النصوص لو تمّت سنداً لا تفيد ؛ لأنّها ليست رواية عن معصوم ، فلعلّها اجتهاد من هؤلاء الصحابة ، ولم يحرز قول أو فعل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذلك حتى يستند إليه وفق الاعتقاد الشيعي .
وقد يضاف إلى ذلك كلّه : ما ذكره الشيخ عبد الغني عبد الخالق من أنّ معاذاً وأمثاله كان لديهم الكثير من السنن القطعية سنداً ودلالة ، فهذا التعميم في الخبر واضح في حقّهم (٤٧) .
وعليه ، فهذا الدليل لا يقوى على إثبات أيٍّ من التفاسير الخمسة المتقدّمة لنظرية تقدّم القرآن على السنّة .
٤ ـ ولادة التقدّم القرآني من منح القرآن الحجية للسنّة :
إنّ تقدّم الكتاب على السنّة ناشئ من كونه الأصل والأساس في حجيّتها ؛ إذ بدون النصّ القرآني لا تكون السنّة حجةً أساساً ؛ فلهذا كان القرآن مقدّماً عليها (٤٨) .
وهذا الدليل واضح الضعف ، وليس هناك ضرورة للإطالة فيه ؛ وذلك :
أولاً : قد لا يكون القرآن مصدر حجية السنّة ؛ فقد أثبتنا في محلّه (٤٩) أنّ حجية الفعل والتقرير النبويّين ليس منشؤها القرآن الكريم وإنّما دليل العصمة في علم الكلام ، وقد لا يكون هذا الدليل إلا عقليّاً كما ذهب إلى ذلك بعض المتكلّمين المسلمين ، أو عقليّاً وقرآنيّاً يمكن الاستغناء بعقليّته عن قرآنيّته ما داما معاً دليلاً صحيحاً ، أو على قانون الإرشادية في النقل عندما يدلّ العقل .
ثانياً : لنفرض أنّ أصل حجية السنّة جاء من القرآن ، فهذا لا يثبت التفسير الثالث المتقدّم لنظرية التقدّم القرآني ؛ إذ قد يعطي القرآن الاعتبار لمصدر معرفي ويجعله في عرضه ، بحيث لو تحدّث القرآن عن موضوعٍ ما ألزمَنا ـ هو نفسه ـ بالرجوع إلى المصدر المعرفي الآخر معه وعدم الاستغناء بالقرآن عنه ، فهذا
(٤٧) عبد الغني عبد الخالق ، حجية السنّة : ٤٩٤ .
(٤٨) الخن واللحام ، الإيضاح في علوم الحديث والاصطلاح : ٣٦ ؛ وقد يظهر من أحمد الشافعي ، اُصول الفقه الإسلامي : ٨١ .
(٤٩) اُنظر : حجية السنّة في الفكر الإسلامي : ٦٠١ ـ ٦٠٩ .