فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٦٧ - دراسات فقهية حديثية ــ التقدّم والتأخّر بين الكتاب والسنّة الاُستاذ حيدر حب الله
نظريّات الشاطبي لاقت ترحيباً في الفترات المتأخّرة ، سواء نظريّته في مقاصد الشريعة أم في السنّة .
وقد تعرّضت نظرية الشاطبي هنا للنقد ، لاسيما من بعض أنصار مدرسة الدفاع عن السنّة في القرن العشرين ، خصوصاً مثل العلامة الدكتور عبد الغني عبد الخالق صاحب كتاب ( حجية السنّة ) الشهير . وسوف ننظر في أدلّة الشاطبي وغيره ، ونرى ماذا تعطي ـ على تقدير صحّتها ـ من التفسيرات الخمسة المتقدّمة ؟ ثم ننظر ـ عقب ذلك ـ في مدى صحّتها وصوابها .
لكن قبل الشروع في أدلّة الشاطبي وغيره هنا ، لابدّ من وقفة تأمّلية في حقيقة ما قصده الشاطبي من هذه النظرية التي طرحها في كتابه المعروف ( الموافقات ) ، فمطلع كلامه جاء فيه تقدّم القرآن على السنّة في الاعتبار (١٦) ، وهذه الكلمة ( أي الاعتبار ) قد تعني الحجية والقيمة المعرفية ، وقد تعني مجرّد الشأن الاعتباري التشريفي للكتاب الكريم ؛ لأنّ كلمة ( الاعتبار ) في لغة الفقه والاُصول تحتمل أكثر من معنى ؛ فقد تأتي بمعنى الإناطة والاشتراط ، كما يقولون : يعتبر في عقد البيع كذا وكذا ؛ بمعنى أنّه يشترط ، وقد تأتي بمعنى ممارسة التأمّل العقلاني واستدعاء هذا التأمّل لشيء ما ، كما يقولون : ويدلّ عليه النصّ والاعتبار ، وقد تأتي بمعنى الحجية والقيمة المعرفية ، حيث يقولون : خبر الواحد معتبر ، والقياس لا اعتبار له ، كما تأتي بمعنى أخذ العبرة ، حيث يقولون : يستحبّ الاعتبار بحال الماضين ... وهكذا .
واللافت أنّ الشاطبي هو صاحب نظرية عدم استقلال السنّة النبوية بالتشريع ، وأنّ كلّ تشريعات السنّة مآلها إلى القرآن الكريم ، وهي نظرية احتوت لبساً وغموضاً في مقصود الشاطبي منها ، كما بحثناه في دراسة اُخرى مستقلّة (١٧) . لكنّ الشاطبي في بحثنا هنا سجّل نقداً على نفسه : بأنّ العلماء يقرّون بتخصيص السنّة للقرآن ونحو ذلك ، فكيف يقدّم هو ـ أي القرآن ـ عليها ، مع أنّ التخصيص
(١٦) الشاطبي ، الموافقات ٤ : ٣٩٢ .
(١٧) اُنظر : حجية السنّة في الفكر الإسلامي : ٥٠٥ ـ ٥١٦ .