نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٩ - سورة التوبة
و ما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلّفوه، و لا إلى التقديم و التأخير إذا لم تجعل الحياة ظرفا للعقاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال و الأولاد؛ المتعلّق بهما؛ لأنّا قد علمنا أوّلا أنّ قوله: لِيُعَذِّبَهُمْ بِهََا لا بدّ من الانصراف عن ظاهره؛ لأنّ الأموال و الأولاد نفسها لا تكون عذابا؛ و المراد على سائل وجوه التأويل المتعلّق بها و المضاف إليها؛ سواء كان إنفاقها و المصيبة بها و الغمّ عليها، أو إباحة غنيمتها و إخراجها عن أيدي مالكيها؛ فكأنّ تقدير الآية: إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بكذا و كذا؛ ممّا يتعلّق بأموالهم و أولادهم، و يتّصل بها؛ فإذا صحّ هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة في أموالهم و أولادهم التي تغضب اللّه تعالى و تسخطه؛ كإنفاقهم الأموال في وجوه المعاصي، و حملهم الأولاد على الكفر، و إلزامهم الموافقة لهم في النّحلة، و يكون تقدير الكلام:
إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بفعلهم في أموالهم و أولادهم؛ الواقع ذلك منهم في الحياة الدنيا؛ و هذا وجه ظاهر يغني عن التقديم و التأخير؛ و سائر ما ذكروه من الوجوه.
فأمّا قوله تعالى: وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ فمعناه تبطل و تخرج؛ أي أنّهم يموتون على الكفر؛ و ليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم و هم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنّوه؛ لأنّ الواحد منّا قد يأمر غيره و يريد منه أن يقاتل أهل البغي و هم محاربون، و لا يقاتلهم و هم منهزمون، و لا يكون مريدا لحرب أهل البغي للمؤمنين؛ و إن أراد قتالهم على هذه الحالة، و كذلك قد يقول لغلامه: أريد أن تواظب على المصير إليّ في السّجن و أنا محبوس، و للطبيب: صر إليّ و لا زمني و أنا مريض، و هو لا يريد المرض و لا الحبس؛ و إن كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين.
و قد ذكر في ذلك وجه آخر على الاّ يكون قوله: وَ هُمْ كََافِرُونَ حالا لزهوق أنفسهم؛ بل يكون ذلك كأنّه كلام مستأنف، و التقدير فلا تعجبك أموالهم و لا أولادهم؛ إنّما يريد اللّه ليعذّبهم بها في الحياة الدنيا؛ و تزهق أنفسهم و هم مع ذلك كافرون صائرون إلى النار؛ و تكون الفائدة أنّهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة؛ و يكون معنى وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ على هذا الجواب غير الموت