نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٠٨ - سورة التوبة
أنّه صائر إليه، أو منتقل إلى قراره؛ و هذا الجواب قد روي معنى أكثره عن قوم من متقدّمي المفسّرين، و ذكره أبو عليّ الجبّائي أيضا.
و رابعها: [جواب]يحكى عن الحسن البصريّ، و اختاره الطبريّ و قدّمه على غيره، و هو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفّار من الفرائض و الحقوق في أموالهم؛ لأنّ ذلك يؤخذ منهم على كره، و هم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نيّة و لا عزيمة فتصير نفقتهم غرامة و عذابا من حيث لا يستحقّون عليها أجرا.
[أقول]: و هذا وجه غير صحيح؛ لأنّ الوجه في تكليف الكافر إخراج الحقوق من ماله كالوجه في تكليف المؤمن ذلك؛ و محال أن يكون إنّما كلّف إخراج هذه الحقوق على سبيل العقاب و الجزاء؛ لأنّ ذلك لا يقتضي وجوبه عليه؛ و الوجه في تكليف الجميع هذه الأمور هو المصلحة و اللطف في التكليف.
و لا يجري ذلك مجرى ما قلناه في الجواب الذي قبل هذا؛ من أنّ المصائب و الغموم تكون للمؤمنين محنة، و للكافرين عقوبة؛ لأنّ تلك الأمور ممّا يجوز أن يكون وجه حسنها للعقوبة و المحنة جميعا؛ و لا يجوز في هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلّف إلاّ وجه واحد، و هو المصلحة في الدّين، فافترق الأمران.
و ليس لهم أن يقولوا: ليس التعذيب في إيجاب الفرائض عليهم؛ و إنّما هو لإخراجهم أموالهم على وجه التكرّه و الاستثقال؛ و ذلك أنّه إذا كان الأمر على ما ذكروه و خرج من أن يكون مرادا للّه تعالى؛ لأنّه جلّ و عز ما أراد منهم إخراج المال على هذا الوجه، بل على الوجه الذي هو طاعة و قربة؛ فإذا أخرجوها متكرّهين مستثقلين لم يرد ذلك؛ فكيف يقول: إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهََا !و يجب أن يكون ما يعذّبون به شيئا يصحّ أن يريده اللّه تعالى.
و جميع هذه الوجوه التي حكيناها في الآية-إلاّ جواب التقديم و التأخير- مبنيّة على أنّ الحياة الدنيا ظرف للعذاب؛ فتحمّل كل متأوّل من القوم ضربا من التأويل؛ طابق ذلك.