نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٦ - سورة الأنفال
فإن قيل: فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خارجا عن العتاب فما معنى قوله تعالى: مََا كََانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىََ ؟
قلنا: الوجه في ذلك أنّ الأصحاب إنّما أسروهم ليكونوا في يده صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فهم أسراؤه على الحقيقة و مضافون إليه، و إن كان لم يأمرهم بأسرهم بل أمر بخلافه.
فإن قيل: أ فما شاهدهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم وقت الأسر فكيف لم ينههم عنه؟
قلنا: ليس يجب أن يكون صلّى اللّه عليه و آله و سلم مشاهدا لحال الأسر؛ لأنّه كان على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في العريش، و لمّا تباعد أصحابه عنه أسروا من أسروه من المشركين بغير علمه صلّى اللّه عليه و آله و سلم.
فإن قيل: فما بال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يأمر بقتل الأسارى لمّا صاروا في يده و إن كان خارجا من المعصية و موجب العتاب، أو ليس لمّا استشار أصحابه فأشار عليه أبو بكر باستبقائهم و عمر باستيصالهم رجع إلى رأي أبي بكر، حتى روي أن العتاب كان من أجل ذلك؟
قلنا: أمّا الوجه في أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يقتلهم فظاهر؛ لأنّه غير ممتنع أن تكون المصلحة في قتلهم و هم محاربون، و أن يكون القتل أولى من الأسر، فإذا أسروا تغيّرت المصلحة و كان استبقاؤهم أولى، و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعمل برأي أبي بكر إلاّ بعد أن وافق ذلك ما نزل به الوحي عليه. و إذا كان القرآن لا يدلّ بظاهر و لا فحوى على وقوع معصية منه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذا الباب فالرواية الشاذة لا يعوّل عليها و لا يلتفت إليها.
و بعد: فلسنا ندري من أي وجه تضاف المعصية إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذا الباب؛ لأنّه لا يخلو من أن يكون أوحى إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في باب الأسارى بأن يقتلهم، أ و لم يوح إليه فيه بشيء، و وكّل ذلك إلى اجتهاده و مشورة أصحابه، فإن كان الأوّل فليس يجوز أن يخالف ما أوحي إليه، و لم يقل أحد أيضا في هذا الباب:
أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالف النصّ في باب الأسارى، و إنّما يدّعى عليه: أنه فعل ما كان الصواب عند اللّه خلافه، و كيف يكون قتلهم منصوصا عليه بعد الأسر و هو