نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٤ - سورة الأعراف
و أما قوله: لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي [١] ، فليس يدلّ على أنّه وقع على سبيل الاستخفاف، بل لا يمتنع أن يكون هارون عليه السّلام خاف من أن يتوهّم بنو إسرائيل لسوء ظنّهم انّه منكر عليه معاتب له، ثمّ ابتدأ بشرح قصّته فقال في موضع آخر: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرََائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [٢] و في موضع آخر: اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَ كََادُوا يَقْتُلُونَنِي إلى آخر الآية، و يمكن أن يكون قوله: لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي ليس على سبيل الامتعاظ و الأنفة أي الغيرة، لكن معنى كلامه: «لا تغضب و لا يشتدّ جزعك و أسفك» ؛ لأنّا إذا كنّا قد جعلنا فعله ذلك دلالة الغضب و الجزع فالنهي عنه في المعنى نهي عنهما.
و قال قوم: إنّ موسى عليه السّلام لمّا جرى من قومه من بعده ما جرى اشتدّ حزنه و جزعه، و رأى من أخيه هارون عليه السّلام مثل ما كان عليه من الجزع و القلق، أخذ برأسه إليه متوجّعا له مسكّنا له، كما يفعل أحدنا بمن تناله المصيبة العظيمة فيجزع لها و يقلق منها.
و على هذا الجواب يكون قوله: فَلاََ تُشْمِتْ بِيَ اَلْأَعْدََاءَ لا يتعلّق بهذا الفعل، بل يكون كلاما مستأنفا.
و أمّا قوله على هذا الجواب: لاََ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لاََ بِرَأْسِي ، فيحتمل أن يريد أن لا تفعل ذلك و غرضك التسكين منّي فيظنّ القوم أنّك منكر عليّ.
و قال قوم في هذه الآية: إنّ بني إسرائيل كانوا على نهاية سوء الظن بموسى عليه السّلام، حتّى أنّ هارون عليه السّلام كان غاب عنهم غيبة فقالوا لموسى عليه السّلام:
أنت قتلته، فلمّا وعد اللّه تعالى موسى ثلاثين ليلة و أتمّها له بعشر و كتب له في الألواح كلّ شيء و خصّه بأمور شريفة جليلة الخطر، بما أراه من الآية في الجبل و من كلام اللّه تعالى له و غير ذلك من شريف الأمور، ثمّ رجع إلى أخيه، أخذ برأسه ليدنيه إليه و يعلمه ما جدّده اللّه تعالى له من ذلك و يبشّره به، فخاف هارون عليه السّلام أن يسبق إلى قلوبهم ما لا أصل له، فقال إشفاقا على
[١] سورة طه، الآية: ٩٤.
[٢] سورة طه، الآية: ٩٤.