نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٣ - سورة الأعراف
على مذاهبكم من فعله، لأنّها السهو و ما جرى مجراه ممّا ينافي العلوم الضروريّة، و لا تكليف على الساهي فكيف يذمّ بذلك؟
قلنا: المراد هاهنا بالغفلة التشبيه لا الحقيقة، و وجه التشبيه أنّهم لمّا أعرضوا عن تأمّل آيات اللّه تعالى، و الانتفاع بها أشبهت حالهم حال من كان ساهيا غافلا عنها، فأطلق عليهم هذا القول كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [١] ، على هذا المعنى، و كما يقول أحدنا لمن يستبطئه و يصفه بالإعراض عن التأمل و التبيّن: أنت ميّت و راقد، و لا تسمع، و لا تبصر، و ما أشبه ذلك، و كل هذا واضح بحمد اللّه [٢] .
- وَ أَلْقَى اَلْأَلْوََاحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قََالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَ كََادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاََ تُشْمِتْ بِيَ اَلْأَعْدََاءَ وَ لاََ تَجْعَلْنِي مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظََّالِمِينَ [الأعراف: ١٥٠].
[فان قيل]أو ليس ظاهر هذه الآية يدلّ على أن هارون عليه السّلام أحدث ما أوجب إيقاع ذلك الفعل منه؟و بعد فما الاعتذار لموسى عليه السّلام من ذلك و هو فعل السخفاء و المتسرّعين و ليس من عادة الحكماء المتماسكين؟
الجواب: قلنا: ليس فيما حكاه اللّه تعالى من فعل موسى و أخيه عليهما السّلام ما يقتضي وقوع معصية و لا قبيح من واحد منهما، و ذلك أنّ موسى عليه السّلام أقبل و هو غضبان على قومه لما أحدثوا بعده مستعظما لفعلهم مفكّرا منكرا ما كان منهم، فأخذ برأس أخيه و جرّه إليه كما يفعل الانسان بنفسه مثل ذلك عند الغضب و شدّة الفكر. ألا ترى أنّ المفكّر الغضبان قد يعضّ على شفتيه و يفتل أصابعه و يقبض على لحيته؟فأجرى موسى عليه السّلام أخاه هارون مجرى نفسه؛ لأنّه كان أخاه و شريكه و حريمه، و من يمسّه من الخير و الشر ما يمسّه، فصنع به ما يصنعه الرجل بنفسه في أحوال الفكر و الغضب، و هذه الأمور تختل أحكامها بالعادات، فيكون ما هو إكرام في بعضها استخفافا في غيرها، و يكون ما هو استخفاف في موضع إكراما في آخر.
[١] سورة البقرة، الآية: ١٨.
[٢] الأمالي، ١: ٣٠٤.