نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٤ - سورة الأعراف
نهيت أنت عن كذا إلاّ أن تكون فلانا» و إنّما يعني أنّ المنهي هو فلان دونك، و لم يرد إلاّ أن تنقلب فتصير فلانا. و لمّا كان غرض إبليس إلقاء الشبهة لهما فمن أوكد الشبه إيهامهما أنّهما لم ينهيا و انّما المنهي غيرهما.
و من وكيد ما يفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا في أن ينقلبا إلى صفة الملائكة و خلقتهم كما رغبهما إبليس في ذلك، و لا تدلّ هذه الرغبة على أنّ الملائكة أفضل منهما؛ لأنّ المنقلب إلى خلقة غيره لا يجب أن يكون مثل ثوابه له؛ فإنّ الثواب لا ينقلب و لا يتغيّر بانقلاب الصور و الخلق، فانّه إنتما يستحقّ على الاعمال دون الهيئات.
و غير ممتنع أن يكونا رغبا في أن يصيرا على هيئة الملائكة و صورها، و ليس ذلك برغبة في الثواب و لا الفضل؛ فانّ الثواب لا يتبع الهيئات و الصور.
إلاّ ترى أنّهما رغبا في أن يكونا من الخالدين، و ليس الخلود ممّا يقتضي مزيّة في ثواب و لا فضلا فيه، و إنّما هو نفع عاجل، و كذلك لا يمتنع أن تكون الرغبة منهما في أن يصيرا ملكين إنّما كانت على هذا الوجه.
و يمكن أن يقال للمعتزلة خاصة و كلّ من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أنّ الملك أفضل من النبيّ و غلطا في ذلك و كان منهما ذنبا صغيرا؛ لأنّ الصغائر تجوز عندكم على الأنبياء، فمن أين لكم إذا اعتقدا أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء و رغبا في ذلك أنّ الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب.
و ليس لهم أن يقولوا: إنّ الصغائر إنّما تدخل في أفعال الجوارح دون القلوب؛ لأنّ ذلك تحكّم بغير برهان، و ليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر في أفعال القلوب و الجوارح معا؛ لأنّ حدّ الصغير عندهم «ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله» ، و ليس يمتنع معنى هذا الحدّ في أفعال القلوب كما لم يمتنع في أفعال الجوارح [١] .
[١] الرسائل، ٢: ١٥٨ و ١٦٠ و راجع أيضا، ١: ٤٣٥.