نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٦ - سورة الأعراف
[استدلّ القائلون بقدم كلامه تعالى بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى فصل في هذه الآية بين الخلق و الأمر. ]و لو كان الأمر مخلوقا لم يصحّ هذا الفصل و التمييز [١] .
يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون معنى الأمر غير ما ظننتم من الكلام المخصوص، و أن يكون فائدة الكلام له تعالى أن يخلق و يفعل ما يشاء من غير اعتراض و لا منازعة، كما يقال في أحدنا إذا كان قادرا قاهرا لا يعارض و لا ينازع: «لفلان الأمر» ، و لا نقصد بذلك إلى أنّ له كلاما.
و بعد، فقد يفرد الشيء بالذكر عن الجملة الواقعة عليه و على غيره تفخيما و تعظيما، كقوله تعالى: مَنْ كََانَ عَدُوًّا لِلََّهِ وَ مَلاََئِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكََالَ [٢] ، فأفردهما عن الملائكة لهذا الوجه، فما المانع من أن يفرد الأمر الذي هو القرآن عن جملة المخلوقات لعظيم شأنه و جلالة قدره؟و يلزمهم على هذه الشبهة أنّ الإحسان ليس بعدل، و إيتاء ذي القربى ليس من العدل و الإحسان؛ لأنّه تعالى قال: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسََانِ وَ إِيتََاءِ ذِي اَلْقُرْبىََ [٣] ففصّل بين الجميع.
و قد يقول أحدنا: إنّ اللّه تعالى يأمر بالقول و العمل، و الإيمان قول و عمل، و إن كان القول داخلا في جملة العمل، و إنّما أفرد لبعض الأغراض، و قال اللّه تعالى: فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ اَلنَّبِيِّ اَلْأُمِّيِّ اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللََّهِ وَ كَلِمََاتِهِ [٤] و هذا العطف و الفصل-على ما اعتمدوه-يقتضي أنّ كلام اللّه غير اللّه، و يوجب أن لا يشتركا في القدم؛ لأنّه إذا جاز مع هذا العطف أن يشتركا في القدم و لا يتغايرا، جاز أن يكون الخلق و الأمر يشتركان في الحدوث و لا يتغايران مع الفصل في اللفظ بينهما [٥] .
[١] الملخص، ٢: ٤٢٩.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٩٨.
[٣] سورة النحل، الآية: ٩٠.
[٤] سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
[٥] الملخص، ٢: ٤٤٠.