نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٢ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و فيه وجه آخر: و هو أنّه تعالى أراد بهذا القول تعريف عيسى عليه السّلام أنّ قوما قد اعتقدوا فيه و في أمّه أنّهما إلهان؛ لأنّه ممكن أن يكون عيسى عليه السّلام لم يعرف ذلك إلاّ في تلك الحال. و نظيره في التعارف أن يرسل الرجل رسولا إلى قوم فيبلّغ الرسول رسالته و يفارق القوم فيخالفونه بعده و يبدّلون ما أتى به و هو لا يعلم، و يعلم المرسل له ذلك، فإذا أحبّ أن يعلمه مخالفة القوم له جاز أن يقول له: «أ أنت أمرتهم بكذا و كذا» ، على سبيل الإخبار له بما صنعوا [١] .
[الثاني: إن سأل سائل]فقال: ما المراد بالنفس في هذه الآية؟و هل المعنى فيها كالمعنى في قوله: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللََّهُ نَفْسَهُ [٢] أو يخالفه؟هل يطابق معنى الآيتين و المراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال:
يقول اللّه تعالى: «إذا أحبّ العبد لقائي أحببت لقاءه، و إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، و إذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، و إذا تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا، و إذا تقرّب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا» ، أو لا يطابقه؟
الجواب: قلنا: النفس في اللغة لها معان مختلفة، و وجوه في التصرّف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان و غيره من الحيوان، و هي التي إذا فقدها خرج عن كونه حيّا، و منه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذََائِقَةُ اَلْمَوْتِ [٣] .
و النّفس ذات الشيء الذي يخبر عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه؛ إذا تولّى فعله.
و النفس: الأنفة، من قولهم ليس لفلان نفس، أي لا أنفة له.
و النفس الإرادة، من قولهم نفس فلان في كذا، أي إرادته؛ قال الشاعر:
فنفساي نفس قالت أيت ابن بحدل # تجد فرجا من كلّ غمّى [٤] تهابها [٥]
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١٤٥.
[٢] سورة آل عمران، الآية: ٢٨.
[٣] سورة آل عمران، الآية: ١٨٥.
[٤] في التنزيه «من كلّ غمّ» .
[٥] جمهرة الأشعار: ٣٥٣، و اللسان (زلل) ، و المزلة: موضع الزلل و الانزلاق.