نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٤ - سورة النّساء
وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللََّهِ وَ رُسُلِهِ أُولََئِكَ هُمُ اَلصِّدِّيقُونَ وَ اَلشُّهَدََاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ [١] و قوله تعالى: وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ اَلشُّهَدََاءِ [٢] و قوله جلّ اسمه: وَ يَقُولُ اَلْأَشْهََادُ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ كَذَبُوا عَلىََ رَبِّهِمْ [٣] دلالة على موضع الخلاف، و هو: أنّ في كلّ عصر مؤمنين يشهدون على غيرهم، و أكثر ما تدلّ عليه الآيات التي تلوناها أن يكون في الأمّة شهداء، و أن من جملة المؤمنين من يستشهد فيشهد، فأمّا أن يقتضي ذلك وجود الشهداء في كلّ عصر فبعيد.
فأمّا استدلاله من الآية على أنّ إجماع كلّ عصر حجّة: «بأنّها تقتضي التحذير من ترك اتباع سبيل المؤمنين، و ليس فيها تخصيص وقت من وقت [٤] » فباطل؛ لأنّه ليس يلزم إذا لم يكن في الآية تخصيص وقت من وقت أن يحمل على كلّ الأوقات، و ذلك أنّها كما لم تخصّ وقتا دون وقت فلم تعمّ أيضا جمع الأوقات، و فقد دلالة أحد الأمرين كفقد دلالة الآخر، و لا فرق بين من ذهب إلى عمومها في الأوقات من حيث لم يكن فيها اختصاص وقت و بين من خصّها بوقت معيّن، إمّا وقت نزول الآية أو غيره، و احتجّ بأنّه لما لم يجد فيها ما يقتضي عموم سائر الأوقات و لا تخصيص وقت، سوى الوقت الذي عيّنته.
فإذا قيل له: حكم الوقت الذي عيّنته كحكم غيره في أنّ الآية لا تقتضي تخصيصه، فليس تعيين وقت أولى من تعيين غيره.
قلنا نحن: و حكم سائر الأوقات و جميعها حكم بعضها في أنّ الآية لا تقتضي تناوله، فليس من ادّعى عموم الأوقات بأولى ممن ادّعى وقتا مخصوصا [٥] .
- مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ... [النساء: ١٢٣].
[١] سورة الحديد، الآية: ١٩.
[٢] سورة الزمر، الآية: ٦٩.
[٣] سورة هود، الآية: ١٨.
[٤] في المغني «فإن قال: أتدل الآية على أن إجماع كلّ عصر حجّة؟قيل له نعم لأنها تقتضي» و جملة «التحذير من ترك» مكانها بياض في المغني. و فيه «و ليس يخصص وقت من وقت» . راجع المغني ١٧: ١٦٩.
[٥] الشافي في الإمامة و ابطال حجج العامة ١: ٢١٦.