نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٧ - سورة يوسف
قيل لكم: و هذا كيف يكون طريقا صحيحا، و قد يجوز لمعتمد الحقّ أن يعصي، بأن يلي ولاية من قبل ظالم لبعض أغراض الدنيا و منافعها، فلا يكون دفعه و منعه قبيحين.
قلنا: المعوّل في هذا الموضع على غلبة الظنون و قوّة الأمارات، فإن كان هذا المتولّي خليعا فاسقا قد جرت عادته بتورّط القبائح و ركوب المحارم و رأيناه يتولّى للظلمة، فلا بدّ من غلبة الظنّ بأنّه لم يتولّ ذلك مع عادته الجارية بالجرم و الفجور إلاّ لأغراض الدنيا، فيجب منعه و منازعته و الكفّ عن تمكينه. و إن كانت عادته جارية بالتديّن و التصوب [١] و الكفّ عن المحارم، و رأيناه قد تولّى مختارا غير مكره لظالم، فالظنّ يقوى أنّه لم يفعل ذلك مع الايثار إلاّ لداع من دواع الدين التي تقدّم ذكرها، فحينئذ لا يحلّ منعه و يجب تمكينه.
فان اشتبه في بعض الأحوال الأمر، و تقابلت الأمارات و تعادلت الظنون، وجب الكفّ من منعه و منازعته على كلّ حالة؛ لأنّا لا نأمن في هذه المنازعة أن تقع على وجه قبيح، و كلّ ما لا يؤمن فيه وجه القبح يجب الكفّ عنه.
و نظائر هذه الحال في فنون التصرّف و ضروب الأفعال أكثر من أن تحصى.
فانّا لو عهدنا من بعض الناس الخلاعة و الفسق و شرب الخمور و التردّد إلى مواطن القبيحة، و رأيناه في بعض الأوقات يدخل إلى بيت خمّار، و نحن لا ندري أيدخل للقبيح أم للإنكار على من يشرب الخمر، فانّا لقوّة ظنّنا بالقبيح منه على عادته المستمرّة، يجب أن نمنعه من الدخول و نحول بينه و بينه إذا تمكّنا من ذلك، و إن جاز على أضعف الوجوه و أبعدها من الظنّ أن يكون دخل للإنكار لا لشرب الخمر.
و لو رأينا من جرت عادته بالصيانة و الديانة و إنكار المنكر يدخل بيت خمّار فإنّه لا يحسن منعه من الدخول؛ لأنّ الظنّ يسبق و يغلب أنّه لم يدخل إلاّ لوجه يقتضيه الدين، إما لإنكار أو غيره.
[١] في المطبوع: التصون.
غ