نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٥ - سورة يوسف
بحكم هذه الأسباب العارضة. و يجري ذلك مجرى من غصب على وديعة و حيل بينه و بينها و أظهر غاصبها أنّه يهبها لصاحبها، فانّه يجوز لصاحب الوديعة أن يتقبّل في الظاهر هذه الوديعة و يظهر أنّه قبضها على جهة الهبة، و يكون تصرّفه حينئذ فيها بحكم الملك الأوّل لا عن جهة الهبة.
و على هذا الوجه يحمل تولي أمير المؤمنين لجلد الوليد بن عقبة.
و لم يزل الصالحون و العلماء يتولّون في أزمان مختلفة من قبل الظلمة لبعض الأسباب التي ذكرناها، و التولّي من قبل الظلمة إذا كان فيه ما يحسنه ممّا تقدّم ذكره، فهو على الظاهر من قبل الظالم، و في الباطن من قبل أئمة الحقّ؛ لأنّهم إذا أذنوا في هذه الولاية عند الشروط التي ذكرناها فتولاّها بأمرهم فهو على الحقيقة و ال من قبلهم و متصرّف بأمرهم.
و لهذا جاءت الرواية الصحيحة بأنّه يجوز لمن هذه حاله أن يقيم الحدود و يقطع السرّاق، و يفعل كل ما اقتضت الشريعة فعله من هذه الأمور.
فإن قيل: أليس هو بهذه الولاية معظما [١] للظالم و مظهرا فرض طاعته، و هذا وجه قبيح لا محالة، كان غنيا عنه لو لا الولاية.
قلنا: الظالم إذا كان متغلّبا على الدين، فلا بدّ لمن هو في بلاده و على الظاهر من جملة رعيته، من إظهار تعظيمه و تبجيله و الانقياد له على وجه فرض الطاعة، فهذا المتولّي من قبله لو لم يكن متولّيا لشيء، لكان لا بدّ له من التغلّب معه، مع إظهار جميع ما ذكرناه من فنون التعظيم للتقيّة و الخوف، فليس يدخله الولاية في شيء من ذلك لم يكن يلزمه لو لم يكن واليا، و بالولاية يتمكّن من أمر بمعروف و نهي عن منكر، فيجب أن يتوصّل بها إلى ذلك.
فإن قيل: أرأيتم لو غلب على ظنّه أنّه كما يتمكّن بالولاية من أمر ببعض المعروف و نهي عن بعض المنكر؛ فانّه يلزم لأجل هذه الولاية أفعالا و أمورا منكرة قبيحة-لو لا هذه الولاية لم تلزمه-لا يتمكّن من الكفّ عنها؟
[١] في المطبوع: مقويا.