نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٤ - سورة يوسف
و إذا كان الشرع قد أباح التولّي من قبل الظالم مع الاكراه، و في الموضع الذي فرضنا أنّه متوصّل به إلى إقامة الحقوق و الواجبات، علمنا أنّه لم يكن وجه القبح في هذه الولاية مجرّد كونها ولاية من جهة ظالم، و قد علمنا أنّ إظهار كلمة الكفر لمّا كانت تحسن مع الاكراه، فليس وجه قبحها مجرّد النطق بها و إظهارها بل بشرط الإيثار.
و قد نطق القرآن بأنّ يوسف عليه السّلام تولّى من قبل العزيز و هو ظالم، و رغب إليه في هذه الولاية، حتى زكى نفسه فقال: اِجْعَلْنِي عَلىََ خَزََائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، و لا وجه لحسن ذلك إلاّ ما ذكرناه من تمكّنه بالولاية من إقامة الحقوق التي كانت يجب عليه إقامتها [١] .
و بعد: فليس التولّي من جهة الفاسق أكثر من اظهار طلب الشيء من جهة لا يستحقّ منها و بسبب لا يوجبه.
و قد فعل ماله هذا المعنى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام؛ لأنّه دخل في الشورى تعرّضا للوصول إلى الإمامة، و قد علم أنّ تلك الجهة لا يستحقّ من مثلها التصرّف في الإمامة، ثم قبل اختيار المختارين له عند افضاء الأمر إليه و أظهر أنّه صار إماما باختيارهم و عقدهم. و هذا له معنى التولّي من قبل الظالم بعينه للإشتراك في اظهار التوصّل إلى الأمر بما لا يستحقّ به و لا هو موجب لمثله.
لكنّا نقول: إنّ التصرف في الامامة كان إليه بحكم النصّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أمته، فإذا دفع عن مقامه و ظنّ أنّه ربّما توصل إلى الإمامة بأسباب وضعها الواضعون لا تكون الإمامة مستحقّة بمثلها، جاز بل وجب أن يدخل فيها و يتوصّل بها [٢] حتى إذا وصل إلى الامامة، كان تصرّفه فيها بحكم النصّ لا
[١] [قال في تنزيه الأنبياء: ٨٩ في جواب من قال: ]و كيف يجوز أن يطلب الولاية من قبل الظالمين؟ الجواب: قلنا: إنّما التمس تمكينه من خزائن الأرض ليحكم فيها بالعدل و ليصرفها إلى مستحقّها. و كان ذلك له من غير ولاية، و إنّما سأل الولاية للتمكّن من الحقّ الّذي له أن يفعله.
و لمن لا يتمكّن من إقامة الحقّ أو الأمر بالمعروف أن يتسبّب إليه و يتّصل إلى فعله، فلا لوم في ذلك على يوسف عليه السّلام و لا حرج.
[٢] في المطبوع: إليه.