نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٣ - سورة التوبة
[قال الشريف المرتضى رحمه اللّه]فأمّا تعلقه بإكرام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم للقوم و تعظيمه لهم، و أن الخبر بذلك متواتر، فمما لا يؤثر فيما ذهبنا إليه؛ لأن جميع ما روي من التعظيم و الإكرام-إذا صحّ-فليس يقتضي أكثر من حسن الظاهر و سلامته في الحال، فأما أن ينفي ما يقع منهم في المستقبل من قبيح فغير متوهم، و إذا كان دفع النصّ و العمل بخلافه إنّما وقع بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فكيف يكون مدحه في حياته لهم و إكرامه ينافيه و يمنع منه؟
فإن قال: إنما عنيت أن الاكرام و المدح و الإعظام يمنع من وقوع النفاق في تلك الحال.
قيل له: ليس يجب بما وقع منهم من دفع النصّ أن يكونوا في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم على نفاق؛ لأنّ فيمن يقطع على أن دفع النصّ كفر من فاعله من لا يمنع من وقوعه بعد الإيمان الواقع على جهة الاخلاص، فأمّا من ذهب إلى الموافاة، فإنه يحتاج في منع وقوع الإيمان متقدّما إلى أن يثبت له كون دفع النصّ كفرا، و أنه يخرج عن منزلة الفسق و يلحق بمنزلة الكفر، ثم يثبت أن فاعله فارق الدنيا عليه؛ لأنّه إن لم يثبت له ذلك لم يمتنع على مذهبه تقدم الإيمان، على أنّه غير ممتنع عقلا أن يكون الرسول غير عالم ببواطن أصحابه و سرائرهم من خير و شرّ، فيكون مدحه لهم على الظاهر، و إذا انقطع العذر بالسمع الوارد بأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، كان يعرف بواطن بعضهم أمكن أن يقال: إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم علم بذلك في حال لم يكن منه بعدها مدح و لا تعظيم لمن علم سوء باطنه؛ فإن الحال بعينها غير مقطوع عليها و يمكن أن يقال: إن ذلك قبل وفاته عليه السّلام بزمان يسير.
و قد قيل: إنّه غير ممتنع أن يمدح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من علم خبث باطنه إذا كان مظهرا للحق و الدين، كما أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم مع علمه بالمنافقين و تمييزه لهم من جملة أصحابه قد كان يجري عليهم أحكام المؤمنين، و لا يخالف بينهم في شيء منها إلاّ فيما نطق به الكتاب، من ترك الصلاة على أحدهم عند موته و القيام على قبره و إجراء أحكام المؤمنين عليهم، و دعاؤهم في جملتهم ضرب من المدح و التعظيم فلئن جاز هذا جاز الأوّل. غ