نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٢ - سورة الأعراف
حيث كانت وصلة إلى الرّشد، و ذريعة إلى حصوله، و يكون سبيل الغيّ هو الشبهات و المخاريق التي ينصبها المبطلون و المدغلون في الدين؛ ليوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان، و تسمّى سبيلّ الغيّ، و إن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغيّ من حيث كان المعلوم ممّن تشاغل بها، و اغترّ بأهلها أنّه يصير إلى الغيّ.
و الوجه الثاني: أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ إلاّ أنّ العلم لا يتناول كونها سبيلا للرّشد، و كونها سبيلا للغيّ؛ بل يتناولها لا من هذا الوجه؛ ألا ترى أنّ كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق و اعتقاداتهم و حججهم؛ إلاّ أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحقّ، فيتجنبونها؛ و كذلك يعلمون مذاهب المبطلين و اعتقاداتهم الباطلة الفاسدة، إلاّ أنّهم يجهلون كونها باطلة، و يعتقدون صحّتها بالشبهة فيصيرون إليها؟و على هذا الوجه لا يجب أن يكون اللّه تعالى وصفهم بالغيّ و ترك الحقّ مع العلم به.
و الوجه الثالث: أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد و الغيّ، و مميّزين بينهما؛ إلاّ أنّهم للميل إلى أعراض الدنيا، و الذّهاب مع الهوى و الشبهات يعدلون عن الرشد إلى الغيّ، و يجحدون ما يعلمون، كما أخبر بها عن كثير من أهل الكتاب بأنّهم يجحدون الحقّ و هم يعلمونه و يستيقنونه.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ، و التكذيب لا يكون في الحقيقة إلاّ في الأخبار دون غيرها؟
قلنا: التكذيب قد يطلق في الأخبار و غيرها؛ ألا ترى أنّهم يقولون: «فلان يكذّب بكذا» إذا كان يعتقد بطلانه، كما يقولون: يصدّق بكذا و كذا إذا كان يعتقد صحّته؟و لو صرفنا التكذيب هاهنا إلى أخبار اللّه تعالى التي تضمّنتها كتبه الواردة على أيدي رسله عليهم السّلام جاز؛ و تكون الآيات هاهنا هي الكتب المنزّلة دون سائر المعجزات.
فإن قيل: فما معنى ذمّه تعالى لهم بأنّهم كانوا عن آياتنا غافلين، و الغفلة