نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧١ - سورة الأنعام
قلنا: قد يحذف حرف الاستفهام مع إثبات العوض عنه و مع فقده إذا زال اللبس في معنى الاستفهام، و بيت ابن أبي ربيعة خال من حرف الإستفهام و من العوض عنه. و قد روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه في قوله تعالى: فَلاَ اِقْتَحَمَ اَلْعَقَبَةَ [١] قال: هو أفلا اقتحم العقبة؟فالقيت ألف الاستفهام. و بعد، فإذا جاز أن يلقوا ألف الاستفهام لدلالة الخطاب عليها، فهلاّ جاز أن يلقوها لدلالة العقول عليها؟لأنّ دلالة العقل أقوى من دلالة غيره [٢] .
[الثاني: إن سأل سائل فقال: ]ما جواب من اعترض ما أورده «حرس اللّه مدته» في كتابه الموسوم بـ «التنزيه» من تجويزه أن يكون قول إبراهيم عليه السّلام للنجم و الشمس و القمر هََذََا رَبِّي أوّل وقت تعيّن فرض التكليف للنظر عليه، و أنّه قال ذلك فارضا له مقدّرا، لا قاطعا و لا معتقدا، فلمّا رأى أفول كلّ واحد منها رجع عمّا فرض و أحال ما قدر.
فقال: الذاهب إلى هذا لا ينفكّ من أن يلزمه أحد أمرين، و هما:
القول: بأنّ تحيّز هذه الكواكب و حركاتها لا تدلّ على حدوثها، كما تدلّ على أفولها، إذ لو دلّ لما أهمل القطع به على حدوثها، و الرجوع عمّا فرضه فيها إلى حين أفولها، و استدلاله بذلك عليه.
و القول: بأنّ إبراهيم عليه السّلام في حال كمال عقله قصر عن المعرفة، بأنّ التحيّز و الحركات تدلّ على الحدوث.
و إلى أيّ الأمرين ذهبتم كان قادحا في معتمدكم؛ لأنّ الذهاب إلى الأوّل يقدح في دلالة الحركات و التحيّز عندكم على الحدوث؛ و الثاني يقدح فيما تذهبون إليه من عصمة الأنبياء قبل النبوّة و بعدها، و في إهمال القطع بالأدلة المثمرة للعلم بالمطلوب، تغرير من المهمل لذلك، و التغرير بالنفس قبيح.
و ما أدري كيف يكون الغيبة بعد الظهور دليلا على الحدوث و الظهور بعد
[١] سورة البلد، الآية: ١١.
[٢] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٣٩.