نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٥ - سورة الأنعام
و قال ذو الرمة:
تريك بياض لبّتها و وجها # كقرن الشّمس أفتق ثمّ زالا [١]
أي وجد فتقا من السحاب.
و ليس لأحد أن يجعل هذا الوجه مختصّا بالقراءة بالتخفيف دون التشديد؛ لأنّ في الوجهين معا يمكن هذا الجواب، لأنّ «أفعلت» و «فعلت» يجوزان في هذا الموضع، و «أفعلت» هو الأصل ثمّ شدّد تأكيدا و إفادة لمعنى التكرار؛ و هذا مثل أكرمت و كرّمت، و أعظمت و عظّمت، و أوصيت و وصّيت، و أبلغت و بلّغت؛ و هو كثير قال اللّه تعالى: فَمَهِّلِ اَلْكََافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [٢] ؛ إلاّ أن التخفيف أشبه بهذا الوجه؛ لأنّ استعمال هذه اللفظة مخفّفة في هذا المعنى أكثر.
و الوجه الرابع: ما حكى الكسائيّ من قوله: إنّ المراد أنّهم لا ينسبونك إلى الكذب فيما أثبت به؛ لأنّه كان أمينا صادقا لم يجرّبوا عليه كذبا؛ و إنّما كانوا يدفعون ما أتى به، و يدّعون أنّه في نفسه كذب؛ و في الناس من يقوّي هذا الوجه، و أنّ القوم كانوا يكذّبون ما أتى به، و إن كانوا يصدّقونه في نفسه بقوله تعالى:
وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ و بقوله تعالى: وَ كَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَ هُوَ اَلْحَقُّ [٣] و لم يقل: و كذّبك قومك. و كان الكسائيّ يقرأ: فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف و نافع من بين سائر السبعة، و الباقون على التشديد؛ و يزعم أنّ بين أكذبه و كذّبه فرقا، و أنّ معنى أكذب الرجل، أنّه جاء بكذب، و معنى كذّبته أنّه كذّاب في كلّ حديثه. و هذا غلط و ليس بين «فعّلت» و «أفعلت» في هذه الكلمة فرق من طريق المعنى أكثر ممّا ذكرناه من أنّ التشديد يقتضي التكرار و التأكيد، و مع هذا لا يجوز أن يصدّقوه في نفسه، و يكذّبوا بما أتى به؛ لأنّ من المعلوم أنه عليه السّلام كان يشهد بصحّة ما أتى به و صدقه، و أنّه الدين القيّم، و الحقّ الذي لا يجوز العدول عنه؛ و كيف يجوز أن يكون صادقا في خبره و كان الذي أتى به فاسدا!بل إن كان صادقا
[١] ديوانه: ٤٣٤.
[٢] سورة الطارق، الآية: ١٧.
[٣] سورة الأنعام، الآية: ٦٦.