نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و قال في الجواب: «إنا لا نسلّم ان المراد بالمقدّمة معنى الإمامة بل معنى النبوّة» ، و هذا عدول ظاهر عمّا سأل نفسه عنه، على أنه قد فسّر ما ذهب إليه، و ادّعى أن المراد ببعض ما يشتمل عليه وجوب الطاعة؛ لأن بيان الشرع أحد ما يطاع فيه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لا خلاف في أن طاعته واجبة في كلّ ما يأمر به، و ينهى عنه، سواء كان بيان شرع أو غيره، و إنّما وجب أن يطيعوه في بيان الشرع من حيث كانت طاعته واجبة عليهم في كلّ أمر على العموم.
و بعد، فإن صاحب الكتاب ادّعى أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه أولى بهم في أمر يشاركونه فيه، و فسّر ذلك بما لا اشتراك فيه؛ لأن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إن كان مبيّنا للشرع، و الأمة قائمة بما بيّنه لهم، فلم تشاركه الأمة في صفة واحدة؛ لأن البيان الذي يختصّ هو عليه السّلام به لا يشاركه فيه الامة، و ليس يكون قيامهم بالشرع مشاركة له في البيان.
فإن قنع صاحب الكتاب لنفسه بما ذكره فمثله في مقتضى الإمامة؛ لأن الإمام من حيث وجبت طاعته يقيم في الأمة الأحكام و يأمرهم و ينهاهم، فيكون الأوامر من جهته و الامتثال من جهتهم، و قد دلّلنا فيما تقدّم على أن تصرّف الإمام لطف في فعل الواجبات و الامتناع من المقبّحات، و هذا مثل ما ذكره من الاشتراك؛ لأن الامتناع من القبيح و فعل الواجب من جهة المكلّفين، و ما هو لطف فيهما من جهته، و قد دلّلنا أيضا على أن الإمام حجّة في بيان الشرع و إن كان يخالف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من حيث كان النبيّ مبيّنا للشرع و مبتدئا بغير واسطة من البشر، و ما نطق صاحب الكتاب بحمل نفسه على القول بأن التقرير اختصّ ببيان الشرع مع هذه المزيّة المخصوصة؛ لأن شبهته في ذلك الاشتراك في الصفة، و قد بيّنا أنها تدخل في مقتضى الإمامة من الوجوه الثلاثة [١] التي لو لم يثبت منها إلاّ ما لا خلاف فيه من وجوب طاعة الإمام، و لزوم الدخول تحت أحكامه ممّا يقتضي الاشتراك على الوجه الذي ذكره لكان فيه كفاية في رفع كلامه.
[١] و هي الأوامر من جهة الإمام، و الامتثال من جهة الامة، و كون تصرّف الإمام لطف لهم في الأمر بالحسن و النهي عن القبيح.