نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٠ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
فأمّا الاشفاق و الرحمة فليس يجوز أن يكون عليه السّلام أشفق علينا و أرحم بنا بالإطلاق و في كلّ أمر و حال، بل لا بدّ من أن يقيّد ذلك بما يرجع إلى الدين، فإذا قيّد به فقد عاد الأمر إلى فرض الطاعة؛ لأنّه لا يكون بهذه الصفة إلاّ من وجبت طاعته، و لزوم الانقياد لأمره و نهيه، و كيف لا يجب طاعة من يقطع على أنه لا يختار لنا و يدعونا إلاّ إلى ما هو أصلح لنا في ديننا و أعود علينا و أدخل في حسن النظر لمعادنا، و كان صاحب الكتاب عبّر عن التقرير لفرض الطاعة بلفظ آخر يقوم مقامه؛ لأنّه لا فرق بين أن يقول: إنّه أولى بأن نطيعه و ننقاد له، و بين أن يقول: إنه أولى بالإشفاق علينا، و حسن النظر فيما يرجع إلى ديننا؛ لأنّ الوصف الذي لا يثبت إلاّ لمفترض الطاعة كالوصف بفرض الطاعة، و هذه الصفة يعني الاشفاق و حسن النظر في الدين، حاصلة للإمام عندنا، فكيف يقال: ان اللفظ لا يليق بالإمامة، و يليق بمقتضى النبوّة؟
و قوله: «ليس بمقصود» لا يغني شيئا؛ لأنا قد ذكرنا أن أحدا لم يجعله غير مقصود، و أبطلنا شبهة من حمله على خلاف التقرير بفرض الطاعة، و بيّنا أن الذي ذكره من الوجهين؛ إما أن يكون بعض ما وجبت له فيه الطاعة و الانقياد أو إثبات صفة لا تحصل إلاّ لمن تجب طاعته، فكأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا صرنا إلى ما ذكره صاحب الكتاب قرّرهم في المقدّمة [١] بإحدى الصفتين اللتين قد بينّا أنهما لا تحصلان إلاّ لمفترض الطاعة، و إذا أوجب لغيره في الكلام مثل ما وجب له في المقدّمة فقد حصلت له البغية؛ لأن من تجب طاعته على الخلق في سائر أمور الدين لا يكون إلاّ الإمام إذا لم يكن نبيّا.
و قوله: «لا يطلق في النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنه إمام، كما لا يطلق أنه كذا و كذا» لا نحتاج إلى مضايقته فيه، و إن كان غير ممتنع إطلاق كون الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم إماما لنا بمعنى أنه يجب علينا الاقتداء به، و الامتثال لأوامره؛ لأنا لم نسمه [٢] القول بأن
[١] قرّرهم أي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المقدّمة و هي قوله: «ألست أولى بكم منكم بأنفسكم» .
[٢] لم نسمه: لم نكلفه.