موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٤٣٧ - حادثة غريبة
و بينما كان عبد اللّه متجها إلى جبل أبي قبيس تبعه أحد أنجاس الشام، و رماه بيده الحقيرة بحجارة و أوقع ذلك البطل أسد الوغى على الأرض، كما تقدم أحد الأنجاس المنكرين و قطع تاج الرءوس و مضى به إلى الحجاج الظالم.
قد سر الحجاج قليل الأدب أيما سرور و سجد شاكرا حامدا و كله فخر و سرور ثم أرسل رأسه الشريف مع رءوس الرؤساء الآخرين من أهل مكة، و صلب جثته الموعودة بالغفران، و أمر ألا تنزل حتى ترجو ذلك أمه أسماء ذات النطاقين.
حينما سمعت ذات النطاقين ذلك الأمر قررت ألا تذل نفسها برجاء الحجاج، و لكنها مرت بالصدفة من جانب المكان الذي كان مصلوبا فيه، و قالت أما آن لهذا الفارس أن يترجل!؟ و عند ما سمع الحجاج السفاح هذا القول أوله بالرجاء، و أمر أن تنزل جثة الشهيد المظلوم من مصلبها. و دفنت في مقبرة الحجون صنوان الجنة في جمال منظرها.
و يقول بعض المؤرخين إذ يروون هذا الخبر بشكل آخر. إن أم الزبير ذات النطاقين لم تتذلل إلى الحجاج طالبة منه إنزال ابنها من مصلبه، و كذلك لم تقل أما آن لهذا الفارس أن يترجل. و قد أنزلت جثة عبد اللّه من مصلبه بأمر وارد من عبد الملك. و كان عبد الملك يعرف مدى عداوة الحجاج لابن الزبير و قد بلغه أن الحجاج يصر على إبقاء جثة عبد اللّه على المصلب؛ لذا بعث برسول إلى الحجاج يأمره أمرا قاطعا بإنزال جثة الشهيد، و قد أنزلت جثته بعد أربعين يوما من تاريخ صلبها، و سلمت إلى أمه ذات النطاقين التي ابتدرت بتجهيزها و تكفينها و دفنت في مقبرة المعلا. و بناء على هذا قد مضي أربعون يوما بين استشهاد ابن الزبير و دفنه، و ظلت جثته مصلوبة أربعين و يوما.
قد كبر جموع جند الشام حينما بلغهم استشهاد عبد اللّه بن الزبير من فم واحد، مظهرين فرحهم و سرورهم، و حينما بلغ الخبر إلى أسماء ذات النطاقين التي كانت قد تجاوزت الثمانين من عمرها، قالت بعد ما استرجعت الآية الجليلة:
إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (البقرة: ١٥٦) ما هذه الحال؟! و ما أعجبه؟! إذا كان