موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٤٣٦ - حادثة غريبة
جانب المنجنيق و قد أصابهم الفزع، إلا أن موت بعض أهل مكة بالصواعق أيضا أعطى فرصة للحجاج الظالم أن يخاطب جنوده. قائلا: الحق معكم و ليس مع أهل مكة إن العلامات المهيبة الخاصة بأراضي الحجاز زالت فاصبروا قليلا.
و قد أدى خطاب الحجاج هذا إلى اشتداد القتال، و مد الصراع و زاد القحط و الغلاء في مكة مما جعل المكيين يسأمون من أرواحهم، فالتجأ أغلبهم إلى الحجاج طالبين الأمان و ترك بعضهم عبد اللّه بن الزبير متجهين إلى المدينة المنورة.
و لم يكن أهل مكة فقط ممن تخلوا عن عبد اللّه بن الزبير في محنته، و لكن ابنيه حمزة و حبيب و هما من صلبه تخليا عنه، و لجأ كلاهما إلى السفاح الحجاج مبايعين و تركا و الدهما بمفرده؛ و لكن ابنه المسمى بالزبير ظل في عون أبيه و لم يفترق عنه.
و ذهب عبد اللّه بن الزبير إلى أمه إذ رأى أصحابه قد افترقوا من حوله كفرخ الحجل، و قابل والدته ذات النطاقين و قال لها: يا أماه إن أتباعي الذين كانونا معي خانوني كما خان أهالى الكوفة أتباع الحسين بن على- رضي اللّه عنه- سيدهم.
و مع هذا ظل أولاده بجانبه، و لكن أولادي قد خانوني إذ انضموا إلى الحجاج مبايعين و تركوني بمفردي، إن ذلك الظالم الذي لا يستحيي يبعث لي رسائل واحدة تلو أخرى قائلا: إذا تركت مخالفتي أقبل جميع مطالبك.
فما رأيك في هذا الخصوص فقالت له: يا بني لا يليق بك بعد كل هذه الحروب أن تسلم نفسك إلى يدي بني أمية. إنك رجل مسن، كم سيطول عمرك؟ و خير لك أن تستشهد ببطولة من أن تعيش في صحراء المذلة و الاحتفار، فلما سمع منها هذا الرد ودعها، و قضى ليله حتى الصباح في داخل الكعبة متعبدا متضرعا و بعد ما أدى صلاة الفجر أخذ معه بعض الفتيان الذين قرب أجلهم، و أخذ يقاتل و يهلك في كل هجمة عدو اللّه و هكذا أخرج جند الشام الموجودين في داخل المسجد الحرام ثم خرج من باب الصفا و اتجه صوب جبل أبي قبيس.