موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢٩٦ - استطراد
الشهور المذكورة، إذ ركب ناقة فى موسم الحج السنوى الذى يعلن فيه البدو عن أفكارهم و خاطب أفراد القبائل الموجودة بالقرب منه و هو يريد أن يختبر درجة قوة عقيدة الذين هم على دين إبراهيم و إخلاصهم لها، فقال ما معناه: يا معشر العرب إن إلهكم قد أحل لكم هذه السنة شهر محرم و نقل حرمته إلى شهر صفر، و على الفور قامت مجموعة ممن أخذوا برأى قلمس و قوله بالإغارة و قتل قبائل البدو اعتبارا من تلك اللحظة، و عند ما رأى قلمس أن حكمه فى هذا الأمر قد استقبل باستحسان و عرف أن فكره سيروج وقف فى موسم الحج فى السنة التالية خطيبا بينهم و أعلن أن حرمة شهر محرم قد تأجلت بأمر اللّه إلى شهر صفر، أى أن شهر محرم حلال و أن شهر صفر سيكون حراما بدلا منه و استقبل هذا الأمر عند أفراد جميع القبائل بسرور زائد.
و تصديقا لهذا اعتاد أن يخطب فى كل موسم حج و يؤجل حرمة الشهر الذى يريده إلى شهر آخر.
و بعد قلمس انتقلت هذه العادة السيئة إلى ابنه عبادة و بعد وفاته إلى «قلع بن عبادة»، و من بعد أيضا إلى «أمية بن قلع» و من بعده إلى «عوف بن أميه» و عند ما توفى عوف انتقلت إلى ابنه «أبى ثمامة جنادة بن عوف» و عند ما أشرقت شمس الإسلام و ظهرت أشعتها فى الأفق فى زمان أبى ثمامة جاءت الآية الجليلة لتبطل العادة المذكورة و تلغيها.
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (التوبة: ٣٧).
و اختلف المفسرون فى تحديد اسم الشخص الذى تجرأ و ابتدع هذه العادة القبيحة فادعى بعضهم أنه نعيم بن ثعلبة من بنى كنانة، و ادعى البعض الآخر أنه جنادة بن عوف و بعضهم ادعى أنه قلمس بن عبد بن فقيم، و الذين قالوا إنه قلمس بن عبد بن فقيم يؤيدون ادعاءهم بذكر قول الشاعر: