موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢٩٤ - تأسيس مدينة مكة المعظمة المشهورة
و عند ما بلغ «قصى بن كلاب» مرامه بالحكومة الجليلة لأم القرى أتى بقومه و قبيلته و جمعهم و قال لهم: أيها القوم الكرام إذا بنيتم بيوتا و مساكن حول كعبة اللّه، لن تتمكن بقية الطوائف من طردكم و إبعادكم عن الأراضى الحجازية المباركة، بناء عليه أوصيكم أن يبدأ كل واحد منكم فى تهيئة مسكن له و بنائه حول بيت اللّه من جميع جوانبه فلما أجابه ذوى الأمر و النهى من جماعات قبائل قريش بقولهم أنت رئيسنا و سيدنا، و نحن نوافق على كل ما تأمر به و نتقبله قبولا حسنا فبادر بنفسه ببناء دار الندوة [١] بعد أن أعلن أنه سيتخذ من هذه الدار مقرا للحكم و قسم جوانب البيت الشريف الأربعة على طوائف قريش و عينها لهم، و أمر أن يقوم أفراد القبائل على الفور بوضع أساس البيوت و المنازل و أن يتركوا مكانا خاليا حول بيت اللّه للطواف. و لما استصوبت قريش رأى قصى بن كلاب، قدحوا زناد فكرهم و بدءوا فى بناء منازل و تزيينها فى الأماكن التى بينها لهم. و لم يبنوها حول أطراف بيت اللّه الأربعة، و جعلوا أبواب البيوت كلها تفتح فى اتجاه الكعبة المعظمة، و تركوا طريقا واسعا بين كل منزلين يسمح بالدخول إلى المطاف السعيد.
و المكان الخالى الشريف الذى تركوه بين بيت اللّه و بين البيوت التى بنوها هو المكان المقدس الذى يطلق عليه الآن اسم المطاف السعيد.
و بقيت البيوت التى بنيت فى عهد ابن كلاب على شكلها و طرازها الذى شيدت عليه فى البداية حتى عصر الفاروق الأعظم، و فى زمن خلافة سيدنا (عمر بن الخطاب) هدمها كلها و أدخل أراضيها ضمن ساحة المسجد الحرام، و وسع (عثمان بن عفان) و بقية أصحاب البر و الإحسان دائرة الفيوضات الباهرة للحرمين الشريفين على النحو الذى سنذكره بالتفصيل فى موضعه، و جددوه على الصورة التى عليها الآن.
***
[١] رغم أن مجموعة من المؤرخين يقولون إن كعب بن لؤى قد بنى دار الندوة إلا أن ظنهم هذا غير صحيح.