موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٢٨٠ - انتقال حكومة مكة المكرمة إلى قصى بن كلاب بن مرة
و عند ما بلغ قصى بن كلاب سن التمييز و أصبح قادرا على التفوق بين الحسن و الردئ- إذ نمت قوة إدراكه- نشبت نار النزاع و اشتد الاضطراب بين القبائل و اشتعلت الفتنة بين جماعة آل ربيعة التى ينتمى إليها زوج أمه اضطرب مزاجه و سلبت منه راحته و طمأنينته، ذلك لأنه لم يكن من قبيلة ربيعة رجل يعرف أن كلاب بن مرة هو والد قصى سوى ربيعة، و لهذا كان أرباب السوء من القبيلة يؤلمونه و يعيرونه بأقوال مثل: إن والدك غير معلوم لنا و ما ألجأك إلى قبيلتنا سوى انتسابك إلى قبيلة مجهولة لا اسم لها و لا شهرة فلو كان قومك معروفين لك لكنت تحتمى بهم تستنصرهم لتنجو من شرنا.
و قد التوى ابن كلاب من هذا الأمر و انزعج من نباح كلاب بنى ربيعة و قص ما جرى بالتفصيل على أمه فاطمة و شكا لها باكيا متألما و أبدى ما أصيب به من جرح فى نفسه.
و كانت فاطمة أم قصى من أعقل النساء فقالت لابنها لكى تطفئ نار حزنه و تسرى عنه و كأنها تصب عليه ماء الحياة: يا بنى أنت من الصلب الشريف لكلاب بن مرة فأنت أكرم من أبناء آل ربيعة و من كل الوجوه و أنت أشرف نسبا و أعظم حسبا من كل قبائل العرب، إن قومك و قبيلتك يقيمون فى نواحى مكة المعظمة و يسكنون منذ زمن طويل حول حرم اللّه.
و هكذا أخبرته أنه ينتسب إلى قبيلة كبيرة من أشرف القبائل العربية.
و عند ما سمع «قصى» هذا الكلام من أمه أراد أن يلحق بقبيلته و يذهب إلى مكة المكرمة و عزم على ألا يعود إلى أرض قضاعة بعد ذلك أبدا فنصحته أمه قائلة: يا بنى لا تتعجل و انتظر إلى أن يحل الشهر الحرام و اذهب آنذاك- مع قوافل الحجاج العرب فأنا لا أحبذ سفرك بمفردك و لما حان وقت الحج ذهب إلى منطقة الحجاز برفقة حجاج قبيلة قضاعة و بعد انتهاء الحج أقام خيمة حول كعبة اللّه و أقام فيها.
و كان قصى حازما بارعا جلدا، و بعد فترة من إقامته فى مكة عرف أهلها شرف حسبه و فضل نسبه فأكرموه كرما شديدا.