تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٤ - ذكر ملك يزدجرد الأثيم
بمن كان قبل مملكته بالسنن الصالحه و بأدبهم و كانوا لسوء أدبه، و مخافه سطوته، متواصلين متعاونين، و كان من رايه ان يعاقب كل من زل عنده و اذنب اليه من شده العقوبة بما لا يستطاع ان يبلغ منه مثلها في مده ثلاثمائة.
و كان لذلك لا يقرعه بسوط انتظارا منه للمعاقبه له بما ليس وراءه افظع منه.
و كان إذا بلغه ان أحدا من بطانته صافى رجلا من اهل صناعته او طبقته نحاه عن خدمته.
و كان استوزر عند ولايته نرسى حكيم دهره و كان نرسى كاملا في أدبه، فاضلا في جميع مذاهبه، متقدما لأهل زمانه و كانوا يسمونه مهر نرسى و مهر نرسه، و يلقب بالهزار بنده، فأملت الرعية بما كان منه ان ينزع عن اخلاقه، و ان يصلح نرسى منه، فلما استوى له الملك، اشتدت اهانته الاشراف و العظماء، و حمل على الضعفاء، و اكثر من سفك الدماء، و تسلط تسلطا لم يبتل الرعية بمثله في ايامه فلما راى الوجوه و الاشراف انه لا يزداد الا تتايعا في الجور، اجتمعوا فشكوا ما ينزل بهم من ظلمه، و تضرعوا الى ربهم، و ابتهلوا اليه بتعجيل إنقاذهم منه فزعموا انه كان بجرجان، فراى ذات يوم في قصره فرسا عائرا- لم ير مثله في الخيل، في حسن صوره، و تمام خلق- اقبل حتى وقف على بابه، فتعجب الناس منه، لأنه كان متجاوز الحال، فاخبر يزدجرد خبره، فامر به ان يسرج و يلجم، و يدخل عليه، فحاول ساسته و صاحب مراكبه الجامه و اسراجه، فلم يمكن أحدا منهم من ذلك، فانهى اليه امتناع الفرس عليهم، فخرج ببدنه الى الموضع الذى كان فيه ذلك الفرس فألجمه بيده، و القى لبدا على ظهره، و وضع فوقه سرجا، و شد حزامه و لببه فلم يتحرك الفرس بشيء من ذلك، حتى إذا رفع ذنبه ليثفره استدبره الفرس فرمحه على فؤاده رمحه هلك منها مكانه، ثم لم يعاين ذلك الفرس و يقال: ان الفرس ملا فروجه جريا فلم يدرك و لم