الجمل و النصرة لسيد العترة في حرب البصرة - الشيخ المفيد - الصفحة ٣٩٢
وَ مَصَارِعَ السَّوْءِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْمَصْرَعِ» ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى كَعْبِ بْنِ سُورٍ الْقَاضِي وَ هُوَ مُجَدَّلٌ[١] بَيْنَ الْقَتْلَى وَ فِي عُنُقِهِ الْمُصْحَفُ فَقَالَ: «نَحُّوا[٢] الْمُصْحَفَ وَ ضَعُوهُ فِي مَوَاضِعِ الطَّهَارَةِ» ثُمَّ قَالَ: «أَجْلِسُوا إِلَيَّ كَعْباً» فَأُجْلِسَ وَ رَأْسُهُ يَنْخَفِضُ إِلَى الْأَرْضِ فَقَالَ: «يَا كَعْبَ بْنَ سُورٍ قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتَ مَا وَعَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً؟»[٣] ثُمَّ قَالَ: «أَضْجِعُوا كَعْباً» فَتَجَاوَزَهُ فَمَرَّ فَرَأَى طَلْحَةَ صَرِيعاً فَقَالَ: «أَجْلِسُوا طَلْحَةَ» فَأُجْلِسَ وَ قَالَ لَهُ: «يَا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقّاً فَهَلْ وَجَدْتَ مَا وَعَدَكَ رَبُّكَ حَقّاً؟» ثُمَّ قَالَ: «أَضْجِعُوهُ» فَوَقَفَ رَجُلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ أَمَامَهُ وَ قَالَ-: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَلَامُكَ؟ هَذِهِ الْهَامُ قَدْ صَدِيَتْ[٤] لَا تَسْمَعُ لَكَ كَلَاماً وَ لَا تَرُدُّ جَوَاباً! فَقَالَ ع: «وَ اللَّهِ إِنَّهُمَا لَيَسْمَعَانِ كَلَامِي كَمَا تَسْمَعُ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ص[٥] وَ لَوْ أُذِنَ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ لَرَأَيْتَ عَجَباً» وَ مَرَّ بِمَعْبَدِ بْنِ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو وَ هُوَ فِي الْصَّرْعَى فَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا هَذَا إِنَّمَا كَانَ رَأْيُهُ فِينَا أَحْسَنَ مِنْ رَأْيِ هَذَا» فَقَالَ عَمَّارٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْقَعَهُ وَ جَعَلَ خَدَّهُ الْأَسْفَلَ إِنَّا وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا نُبَالِي بِمَنْ عَنَدَ عَنِ الْحَقِّ مِنْ وَلَدٍ وَ وَالِدٍ فَقَالَ ع:
[١]-« المجدّل: الملقى بالجدالة، و هي الأرض» لسان العرب ج ١١ ص ١٠٤( جدل).
[٢]-« نحّى الشيء: أبعده و أزاله عن مكانه» المعجم الوسيط ج ٢ ص ٩٠٨( نحا).
[٣]- أشار عليه السلام إلى الآية ٤٤ من سورة الأعراف( ٧).
[٤]- أي: ماتت. في شرح هذه الكلمة راجع لسان العرب ج ١٤ ص ٣٥٣- ٤٥٤( صدي).
[٥]-« القليب: البئر» المصباح المنير ص ٦١٩( قلب). أشار عليه السلام إلى كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في غزوة بدر مع قتلى قريش الذين طرحوا في البئر؛ و جاء في سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٢٩٢ حول غزوة بدر« أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم بالقتلى أن يطرحوا في القليب، فلمّا ألقاهم في القليب وقف عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه[ و آله] و سلّم فقال: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا؟! فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا. فقال له أصحابه: يا رسول اللّه أتكلّم قوما موتى؟ فقال لهم:
لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقّا».